🛑فرجال... news
بقلم : د. ثائرة اكرم العكيدي
مع اقتراب موسم الانتخابات يستيقظ المسؤول فجأة كمن استيقظ من سبات طويل ليجد أن صوته لم يعد كافياً وأن وجوده بحاجة إلى إعلان أمام الكاميرات وعيون الناس. يزور المدن والقرى يتفقد المستشفيات والمدارس يفتتح مشاريع صغيرة ويطلق وعوداً تتلألأ في الإعلام كأن كل هذا النشاط كان نائماً في زواياه ينتظر لحظة الصندوق ليظهر فجأة يضيء المشهد قبل أن يعود كل شيء إلى صمت طويل، كأن شيئاً لم يحدث.
أما المواطن فيعيش زمناً مختلفاً زمن الانقطاع نقص الخدمات انتظار الطبيب لساعات طويلة وتأجيل المطالب البسيطة إلى أجل غير مسمى. يعيش في بطالة تجعل اليوم أثقل من الأمس، وفي مرافق عامة تفتقر إلى أبسط المقومات وفي طرق مليئة بالحفر تشبه جروحًا مفتوحة لا تلتئم. كل لحظة تمر تذكره بأن المؤسسات التي من المفترض أن تكون عماد الحياة اليومية قد قصرت أو ربما نسيت أن وجودها مرتبط بخدمة الناس، لا بالظهور الإعلامي.
هنا تتكشف المفارقة النشاط الانتخابي مهما كان لامعاً هش ومؤقت يلمع كوميض في ليل طويل من الإهمال. المواطن رغم كل هذا الصخب يظل مراقب صامت يقرأ بين سطور الوعود بين بريق الإعلام وظلال الواقع ليكتشف أن المسؤولية الحقيقية لا تُقاس باللقاءات الموسمية ولا بالابتسامات أمام الكاميرات بل بالممارسة المستمرة والجدية في تقديم الخدمات اليومية.
وفي هذا التباين بين الصورة والواقع يظهر المواطن كفيلسوف صامت يراقب ويقيس يدرك أن التأجج الانتخابي ليس اهتماماً بالمواطن نفسه بل بزمن الصندوق لكنه أيضا فرصة فرصة للتمييز بين الوعد والتنفيذ بين الخطاب والصمت بين الزيف والحقيقة المواطن حين يعي هذا الفرق يصبح رقابته نافذة على الدولة وعيناه مرايا تعكس الفجوة بين الإظهار والإحسان بين الإعلام والمعاناة اليومية.
الانتخابات ليست مجرد زمن للتصويت بل مرآة للعلاقة بين الدولة والمواطن بين النية والفعل بين الحضور الغائب والمواطن الذي يعيش الواقع يوماً بيوم. كل وعد يُطلق كل مشروع يُفتتح كل زيارة ميدانية تصبح اختباراً لمدى جدية المسؤول ومعياراً لوعي المواطن الذي عليه أن يقرأ بين اللحظات ويعي أن أي اهتمام حقيقي لا يولد من الصخب الإعلامي بل من الاستمرارية في تقديم الخدمات من حرص المؤسسات على أداء واجبها اليومي ومن إدراك أن المواطن هو جوهر الدولة، وليس مجرد صوت مطلوب.
ومع كل هذا التأجج تظل المعاناة اليومية حاضرة الكهرباء تنقطع المياه تتأخر المدارس تفتقر إلى المدرسين المستشفيات تنقصها الأدوية. المواطن يختبر كل يوم أن النشاط السياسي مؤقت وأن أي اهتمام حقيقي يحتاج إلى صبر طويل ومطالبة مستمرة لا مجرد زيارات موسمية وابتسامات أمام الكاميرات.
لكن في هذا الواقع المؤلم يكمن الدرس المواطن حين يراقب ويعي يصبح فاعلاً يصبح يقظاً يصبح فيلسوفاً صغيراً في مجتمعه. يعرف أن الانتظار الطويل ليس مجرد صبر بل ممارسة للوعي بالمجتمع طريقة لقياس جدية المسؤولين ووسيلة لتمييز بين اللحظة الصاخبة للانتخابات وبين الاهتمام الحقيقي المستمر الصامت اليومي.
التأجج الانتخابي ليس مجرد حدث سياسي إنه مسرحية بين المسؤول والمواطن بين الصورة والواقع بين الصمت والصخب بين المعاناة اليومية والوعود التي تتوهج ثم تخبو. المواطن في هذه المسرحية ليس مجرد متفرج بل مراقب ناقد يقيس صدق المسؤول ويعرف أن الاهتمام الحقيقي لا يُقاس باللحظات بل بالاستمرارية والصدق والممارسة اليومية.
وفي نهاية كل موسم انتخابي يبقى السؤال هل كانت هذه الزيارات مجرد بريق مؤقت أم بداية لوعي مستمر؟ هل سيكون المواطن حاضر في قياس جدية المسؤولين أم سيظل مجرد صوت يختفي مع انتهاء الصندوق؟ في هذا السؤال تتجلى فلسفة المواطن ووعي الإنسان الذي لا يقاس بالوعود بل بالحقائق اليومية وبقدرة كل واحد منا على أن يرى الفرق بين الصورة والجوهر، بين الأداء المؤقت والممارسة المستمرة بين المسرح الانتخابي والحياة الحقيقية...