🛑فرجال... news
د. ناجي الفتلاوي
لم يكن جامع النوري في الموصل مجرّد معلم معماري بقبّته ومئذنته الشهيرة ‘‘الحدباء"، بل تحوّل عبر مسيرة الزمن إلى رمز حضاري وروحي، يشهد على تقلبات التاريخ وتحدياته ، وفي العقد الأخير، وجد نفسه في قلب مأساة إنسانية عميقة، يوم اعتلى منبره الإرهابي أبو بكر البغدادي ليعلن منه مشروع ‘‘الخلافة المزعومة"، مطلقًا خطابًا مفعمًا بالدم والذبح والتكفير، زارعًا الرعب في نفوس الأهالي، ومحولًا الموصل إلى ساحة للمجازر والانتهاكات وتدمير الآثار والمعالم ، لقد عاش الجامع يومها أقسى محنة في تاريخه، إذ ارتبط اسمه بخطاب يناهض القيم الإنسانية والإسلامية على السواء، وانتهى المشهد بكارثة حين دمّر الإرهابيون مئذنته الحدباء، في محاولة لطمس ذاكرة مدينة بكاملها ، لكن دورة التاريخ لا تقف عند مشهد الألم ، فمع دحر تنظيم داعش واستعادة الموصل، عادت الحياة تنبض في أزقتها وأسواقها، وكان من أولى العلامات على هذه العودة إعادة إعمار جامع النوري ، وهنا برز الفارق الجوهري بين خطبتين: خطبة البغدادي يوم أعلن مشروع الموت، وخطبة الشيخ محمد النوري – مساعد رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي – يوم أعيد افتتاح الجامع بعد إعمارِه ، في الأولى، كان الخطاب تكفيريًا إلغائيًا، يرى في الآخر مجرد عدو يُقتل ويُستباح ، وفي الثانية، كان الخطاب دعوة إلى العفو والاعتدال وقبول الآخر، مستندًا إلى روح الإسلام المحمدي الأصيل، الذي يقوم على الوسطية، والحوار، والتسامح ، إن هذا التحوّل ليس حدثًا عابرًا، بل هو تعبير عميق عن صراع المعنى في تاريخ الإسلام الحديث: فالإسلام الأصيل لا يُختصر في نزعات متطرفة ولا في شعارات طوباوية، بل يتمثل في مشروع حضاري يربط الناس بمنظومة القيم العليا، ويواجه في الوقت ذاته هيمنة الفلسفات المادية التي تفرّغ الإنسان من إنسانيته ، وهكذا يمكن القول إن جامع النوري قد ‘‘تنفّس الصعداء"، لا بمجرد إعادة حجارة إلى مكانها، بل بتحوّل رمزي من منبر يُستعمل للدمار إلى منبر يُستعمل للبناء ، وبين خطبة البغدادي وخطبة النوري مسافة شاسعة، هي ذاتها المسافة بين إسلامٍ مزيف يُستخدم ستارًا للعنف، وإسلام محمدي أصيل يُبنى على الرحمة والعقل والعدل.