🛑فرجال... news
بقلم ا. سعد فياض
لم تعد وسائل الإعلام مجرد قناة لنقل الأخبار، بل غدت مصنعاً للصور الذهنية التي تستقر في وعي الجمهور وتؤثر في قراراته ومواقفه. فـ"الانطباع‘‘ الذي يتشكّل لدى المتلقي لا يُبنى على الخبر وحده، بل على طريقة صياغته، وتكراره، والرموز المصاحبة له، وهو ما يجعل ترسيخ الانطباع عملية مقصودة تهدف إلى السيطرة على مسار الرأي العام.
آليات الترسيخ
1. التكرار والاعتياد
عندما تتكرر الرسالة الإعلامية بشكل متواصل، تصبح مألوفة وقريبة من التصديق. خلال معارك تحرير المدن العراقية من تنظيم داعش، تكررت صور ‘‘القوات المحررة‘‘ و"الانتصارات المتلاحقة"، حتى صار الجمهور يرى النصر نتيجة حتمية، بغضّ النظر عن حجم التضحيات أو الخسائر.
2. الإطار الإعلامي
الخبر ذاته يمكن أن يُفهم بطريقتين مختلفتين تبعاً للصياغة. فارتفاع أسعار النفط يمكن أن يُقدَّم كـ"فرصة لانتعاش الاقتصاد"، أو كـ"عبء إضافي على المواطن". في العراق، بعد 2003، اختلفت التغطيات الإعلامية بين من يرسّخ صورة ‘‘الحكومة المنقذة‘‘ وبين من يعزز صورة ‘‘الحكومة الفاشلة".
3. الرموز والشحن العاطفي
استخدام الرموز الوطنية أو الدينية يسهم في غرس الانطباع بسرعة. خلال الانتخابات العراقية، غالباً ما يلجأ المرشحون إلى صور الشهداء أو الشعارات الدينية لترسيخ انطباعهم كـ"مدافعين عن القيم والمقدسات"، حتى وإن غابت البرامج الانتخابية الواضحة.
4. التغطية الانتقائية
اختيار الأحداث المراد إبرازها وتجاهل أخرى أسلوب فعّال في صناعة الانطباع. بعض القنوات فضّلت التركيز على ملفات الفساد بشكل دائم، بينما اختارت أخرى أن تسلّط الضوء على ‘‘الاستقرار والتوافق"، وفي الحالتين الهدف هو حصر وعي الجمهور في زاوية واحدة.
أمثلة من الواقع
الحرب على داعش (2014-2017): وسائل إعلامية ركّزت على صورة ‘‘الحشد الشعبي‘‘ كبطل وطني، فيما برزت أخرى على صورة ‘‘التحالف الدولي‘‘ كمنقذ خارجي، ما أدى إلى انقسامات في الانطباع الشعبي.
الانتخابات العراقية: غياب البرامج الواضحة جعل الخطاب العاطفي وسيلة رئيسية لترسيخ الانطباع. فكل مرشح يقدّم نفسه رمزاً لمكافحة الفساد أو صوتاً للمحرومين، بينما يكتفي بتكرار هذه الصورة عبر الإعلام.
الربيع العربي: في تونس ومصر، ساهمت الصور المتكررة للحشود والشهداء التي بثّتها القنوات الفضائية في ترسيخ انطباع بأن ‘‘النظام الحاكم فقد شرعيته"، وهو ما سرّع سقوطه.
ويمكن تلخيص مخاطر هذه الاستراتيجيات برغم فعاليتها، فإن الإفراط في صناعة الانطباع قد ينقلب ضد وسائل الإعلام نفسها. حين يشعر الجمهور بالتلاعب أو المبالغة، يفقد الثقة بالمؤسسة الإعلامية، وهو ما حدث مع بعض القنوات الحزبية في العراق التي فقدت جمهورها لصالح الإعلام المستقل أو وسائل التواصل الاجتماعي.
ترسيخ الانطباع عبر الإعلام عملية معقّدة تتراوح بين الإقناع المشروع والتلاعب الخطير. فهي أداة قادرة على توحيد الرأي العام حول قضية، أو دفعه نحو انقسام واستقطاب. وفي ظل ما يشهده العراق والمنطقة من تحولات سياسية واجتماعية، تبقى مسؤولية الإعلام مضاعفة: هل يكتفي بصناعة الانطباع وفق أجندات ضيقة، أم يسعى إلى بناء وعي نقدي متوازن يحترم عقل الجمهور؟