🛑فرجال... news
تحولات متسارعة، و انسان معاصر يعيش حيرة بين صوتين:صوت المئذنة الذي يدعوه إلى السماء، وصوت المقهى الذي يغريه بالنقاش الأرضي المفتوح ، لكنّ السؤال الجوهري ليس أيّ الصوتين أصدق، بل: هل يمكن لهذين الصوتين أن يتحاورا بدل أن يتنازعا؟
منذ قرون، كانت المئذنة تمثل منبر الوجدان الجمعي، تذكّر الناس بمعناهم، وتضبط الإيقاع الروحي للمجتمع،
لكنّها اليوم تواجه تحديًا صعبًا: إنسان القرن الحادي والعشرين لم يعد يسمع بالأذن فقط، بل بالعقل المربوط بالشاشة والفضاء الرقمي ، وهنا يُطرح السؤال الأول: هل ما زالت المئذنة قادرة على مخاطبة هذا الوجدان المتشظي؟ إنها تستطيع، نعم، ولكن بشرط أن تتحوّل من “مئذنة تُلقي” إلى “مئذنة تُنصت”، من خطاب التلقين إلى خطاب الوعي ، في المقابل، يعيش المثقف ابن المقهى أزمته الخاصة ، فالمقهى، الذي كان في الماضي مختبرًا للأفكار ومنتدى للأحلام، صار في بعض الأحيان مساحة للضجيج أكثر من التأمل ، فهل ما زال المثقف يُعيد إنتاج الدين والفكر ضمن رؤية إنسانية جديدة؟ أم أنه هرب من عباءة الإيمان إلى فضاء بلا هوية، يبرّر فيه كل شيء باسم الحرية؟ بين المئذنة والمقهى يقف المجتمع ممزقًا بين مرجعيتين:
الأولى تمثل النص المقدّس، والثانية تمثل العقل النقدي ، لكنّ الوعي الجمعي لا يكتمل إلا حين يلتقي النص بالعقل، والإيمان بالتفكير، فلا أحد منهما يملك الحقيقة وحده ، كثيرًا ما يبدو الصدام بين صوت المئذنة وضجيج المقهى وكأنه صراع بين المقدّس والحرية،
لكنّه في جوهره — كما يقول المتأملون — ليس سوى صراع بين صورتين مشوّهتين للمقدّس وللحرية معًا.
فالمقدّس الذي يُقصي العقل يتحول إلى جمود، والحرية التي تُقصي الإيمان تتحول إلى عبث ، ولعل الطريق إلى التعايش يبدأ حين يدرك رجل الدين أنه بحاجة إلى جرأة المثقف، ويدرك المثقف أنه بحاجة إلى طهارة المئذنة ، حين يصبح الأول مثقفًا بلغة الوعي، والثاني داعية بلغة الفكر،حينها يمكن أن نرى مئذنةً تفكّر، ومقهىً يتعبّد، ويصبح الدين ثقافةً، والثقافة دينًا في معناها الأصيل: السمو بالإنسان ، اما العولمة الرقمية، بما تحمله من سرعة وانتشار، لم تُضعف المئذنة فحسب، بل اختبرت عمقها ، كما أنها لم تمنح المقهى سلطة الفكر، بل فضحت هشاشة كثير من خطابه ، فكلاهما مطالب اليوم بإعادة تعريف ذاته في زمن لم يعد فيه المتلقي ساذجًا ولا النص مطلقًا ، إن الخلاف بين رجل الدين والمثقف ليس خلافًا في الغاية — فكلاهما يريد إنقاذ الإنسان من التيه — بل في الوسيلة التي يسلكانها للوصول إلى تلك الغاية ، الوعي الديني دون انفتاح ثقافي يتحوّل إلى حصن مغلق، والوعي الثقافي دون جذور روحية يتحوّل إلى رياح بلا اتجاه ، فإذا سقطت الهيبة عن المئذنة، والقداسة عن المقهى،فمن يحمل عبء الهداية والوعي في زمنٍ يتناسل فيه الضجيج وتتراجع فيه البصيرة؟ إنها مسؤولية المئذنة الواعية والمقهى العاقل معًا، أن يتصالحا في ضمير الأمة، ويعملا لا لإلغاء بعضهما، بل لصناعة إنسانٍ يفكر بروحه، ويؤمن بعقله.