🛑فرجال... news
بقلم _سامي الجابري
مع تسارع التحولات الزمنية ، يطلّ علينا العقل الصيني بذروة لمعانه بوصفه نموذجًا فريدًا يجمع بين الحكمة والتنظيم والإرادة والتصميم، عقلٌ لا يصنع الإنجاز صدفة، بل يرسم منهجٍا ينسج الخطة من الفكرة، ويحوّل الصبر إلى طاقة عملٍ مستمرة. في هذا النسق العقلي، النظام ليس قيدًا بل أداة للتحرر من الفوضى، والانضباط ليس ترفًا بل طريقٌ للبقاء.
إن ما يميّز التجربة الصينية هو قدرتها على التوازن بين الفكرة والواقع، بين المثالية والبراغماتية، وبين الفرد والجماعة. هناك حيث تتحرك الإرادة في صمت، وتُقاس النتائج بمعيار الزمن الطويل، لا بانفعال اللحظة.
ولعلّ دعوتنا إلى التقرب من هذا العقل ودراسته عن قرب ليست إعجابًا سطحياً، بل رغبة في استلهام التجربة، وإعادة قراءة ذواتنا عبرها. فمورثنا زاخر ، يتمظهر بامثلة كثيرة منها ما صاغه الإمام الغزالي، بكتابه ‘‘أعمال العقل‘‘ حيث وضع أطرًا دقيقةً لعمل العقل في ضوء الإيمان، و دعا إلى التفكير المنظم الذي يجمع بين الروح والمنهج، وبين الإلهام والتدبير.
إننا وأبناء الحضارة الصينية نلتقي في الإيمان بالعقل ليس آلة معرفة فقط، بل أداة نهضةٍ وتزكية. ومن هنا، تصبح دراسة العقل الصيني ضرورة فكرية، لأنها تكشف كيف يمكن للإرادة الواعية أن تواصل صناعة وتطور الحضارة وتنميها ومن خلال إثبات التجربة الناجحة وتمهيد الأرضية للتنظيم الحكيم ، تحفظ الأمة من التيه. فالعقل الصيني لم ينجح في البناء وحده، بل في إثبات أن الفكرة المنظمة أقوى من الفوضى مهما تعددت مواردها.