🛑فرجال... news
بقلم - ا. سعد فياض
لم تعد الانتخابات في العصر الرقمي مجرد عملية ديمقراطية تُحسم عبر صناديق الاقتراع، بل تحوّلت إلى ساحة حرب ناعمة تُدار فيها العقول قبل أن تُدار فيها الأصوات. هذه الحرب تُعرف اليوم بـ"حرب الإدراك"؛ حيث تتصارع القوى السياسية والإعلامية والتقنية على تشكيل وعي الجمهور، وتوجيه انفعالاته ومواقفه، بل وحتى سلوكه الانتخابي، من خلال أدوات التأثير النفسي والاتصالي الحديثة.
أولاً: مفهوم حرب الإدراك وأبعادها الانتخابية
حرب الإدراك هي عملية منظمة تهدف إلى السيطرة على وعي الجمهور وتوجيهه بما يخدم أهدافًا سياسية أو أمنية أو اقتصادية. في السياق الانتخابي، تتحول هذه الحرب إلى صراع على العقل الجمعي للناخبين، إذ تسعى الأحزاب والمرشحون إلى ترسيخ صور ذهنية إيجابية عن أنفسهم وسلبية عن خصومهم، من خلال تقنيات إعلامية دقيقة تستند إلى علم النفس الاجتماعي والسلوك الجمعي.
ثانياً: الإعلام بوصفه سلاح الإدراك
يلعب الإعلام الدور المحوري في هذه الحرب، فهو ليس مجرد ناقل للأحداث، بل صانع لها. فالقنوات الفضائية، والمنصات الاجتماعية، والمحتوى الرقمي الموجّه، تعمل جميعها على إعادة صياغة الواقع عبر الانتقائية في عرض الأخبار، وتضخيم بعض الوقائع، وتهميش أخرى، وإعادة تفسير الأحداث بما يتناسب مع الأجندة السياسية للجهة التي تملك المنصة أو تمولها. تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل سلوك الناخبين وتوجيه الرسائل المخصصة لكل فئة، مما يجعل الخطاب الانتخابي أكثر تأثيرًا وخطورة في آنٍ واحد.
ثالثاً: الاستقطاب كأداة في حرب الإدراك
من أبرز ملامح حرب الإدراك خلال الانتخابات هو تعميق الانقسام والاستقطاب المجتمعي. إذ تُبنى حملات كاملة على بث الخوف من “الآخر”، سواء كان طائفة، أو قومية، أو تيارًا سياسيًا منافسًا. ويُعاد إنتاج الصور النمطية وتغذيتها بمقاطع فيديو وميمات وأخبار مضللة، لتصبح الحقيقة مائعة، والإقناع قائمًا على الانفعال لا على البرهان. وهنا يتراجع دور الخطاب البرامجي والعقلاني أمام سطوة الرسائل العاطفية والموجهة.
رابعاً: المنصات الاجتماعية كساحة للحرب النفسية
أصبحت المنصات الرقمية (فيسبوك، إكس، تيك توك وغيرها) ميادين رئيسية لحرب الإدراك الانتخابية. فهي تمكّن من الوصول المباشر إلى الناخبين، وتسمح ببث محتوى مخصص يعتمد على الخوارزميات التي تدرس تفضيلات الأفراد وسلوكهم. تُستخدم “الجيوش الإلكترونية” و“الروبوتات السياسية” في التفاعل الصناعي مع المحتوى، لتضخيم رسائل معينة وإخفاء أخرى، ما يجعل الجمهور يعيش في فقاعة إدراكية تحكمها الخوارزميات والمصالح السياسية.
خامساً: آثار حرب الإدراك على الوعي الانتخابي تؤدي حرب الإدراك إلى نتائج متعددة:
1. تآكل الثقة في العملية الانتخابية والمؤسسات الديمقراطية.
2. تغييب النقاش البرامجي لصالح الصراع الرمزي والعاطفي.
3. صعود الشعبوية والتطرف كنتيجة لاستثارة الغرائز بدلاً من الوعي العقلاني.
4. توجيه الناخبين نحو اختيارات غير موضوعية عبر الخداع البصري واللغوي والمعلوماتي.
سادساً: مواجهة حرب الإدراك
تحتاج المجتمعات الديمقراطية إلى:
تعزيز الثقافة الإعلامية لدى المواطنين لفهم أساليب التضليل والتأثير.
تنظيم التشريعات الخاصة بالدعاية الرقمية وتمويلها وشفافيتها.
تمكين المؤسسات الأكاديمية والإعلامية من مراقبة الخطاب الانتخابي.
إطلاق مبادرات وطنية للتربية على الوعي الإعلامي والسياسي، خصوصًا لدى فئة الشباب.
إن حرب الإدراك في زمن الانتخابات ليست حربًا على الأصوات فحسب، بل على الوعي الجمعي ذاته. فهي تُخاض في ساحات الإعلام والفضاء الرقمي، بأسلحة ناعمة لكنها فتاكة، تصنع الحقائق كما تشاء، وتعيد صياغة المواقف كما تريد. ومن دون تحصين المجتمع بالوعي النقدي والإعلامي، ستظل العقول أكثر قابلية للاحتلال من أي أرض.