🛑فرجال...news
د. ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
يبدو أن العراق قرر أن يدخل التاريخ من باب مختلف كلياً باب لا علاقة له بالسيادة ولا بثبات القرار بل بمهارة لا يجيدها سوى من اعتادوا التراجع عند أول اهتزاز مهارة الإرسال ثم الحذف. فما حدث في قضية تصنيف حزب الله والحوثيين لم يكن ارتباك عابر بل إعلان رسمي بأن الدولة تعمل بنظام (السيادة بالتقسيط) و(المواقف المؤقتة) تلك المواقف التي تُطلق نهاراً بثقة ورقية وتُسحب مساءاً بخجل واضح وكأن البلد يعيش في تجربة اجتماعية لا في دولة ذات وزن وتاريخ.
ولأن الحقيقة أكثر مرارة من الأعذار فإن السؤال الذي يتكرر هو :
وهل يجرؤ أصلاً على الثبات بلد مثقل بمئات الميليشيات المرتبطة بإيران وحزب الله والحوثيين؟ كيف يمكن لدولة تُحاط بسلاح موازٍ أن تثبت على قرار يزعج تلك القوى؟ وكيف لا يتراجع بلد صارت فيه البنادق الخفية أكثر حضوراً من مؤسسات الدولة؟ إن من تسكنه أذرع خارجية تمسك بخيوط يومه السياسي لن يكون قادراً على الوقوف لحظة واحدة في مواجهة الريح، بل سيظل أجبن من أن يثبت على موقفٍ يحاول أن يشبه الدولة.
التبرير الذي قُدم لتراجع القرار كان نكتة مكتملة العناصر
فالبيان نسخة غير منقحة. وكأن السياسة الخارجية نفسها أصبحت مشروع بحث جامعي يُسلم قبل الموعد بلحظات أو ملف Word تمت كتابته بعجلة قبل إغلاق الدوام فإذا كان البيان غير منقح فهل الدولة أيضاً غير منقحة؟ الاقتصاد يبدو كمسودة قديمة البرلمان كنسخة تجريبية بلا قيمة والديمقراطية كإصدار مجاني مؤقت يتوقف عند أول ضغط. كأن العراق بأكمله يعيش داخل محرر نصوص يخطئ ثم يضغط (تراجع) يرسل القرار بلا مراجعة ثم يحذفه دون اعتذار ويلقي اللوم على الـPDF بدلاً من مواجهة الحقيقة الكبرى القرار لم يكن قرار الدولة أصلًا.
الدول الحقيقية تراجع قراراتها قبل إصدارها أما العراق فيراجع ضميره بعد وقوع الإحراج. هنا تُكتب البيانات في لحظات ارتباك وتُنشر بلا تدقيق، ثم يبدأ سباق الأعذار التقنية التي لم تعد تقنع طفلًا: موظف مستعجل، صياغة خاطئة، نسخة قديمة تحرير ناقص. كل ذلك مجرد غبار يُذر في الهواء لإخفاء حقيقة أوضح من الشمس القرار الوطني مُصادر، والسيادة محاطة بسياج من السلاح الذي لا يخضع للدولة.
ولهذا بالضبط حين نقول: لما يكون العراق حراً وصاحب سيادة وقرار نقدر نحكم على هكذا قرار فنحن لا نطلق جملة عابرة بل نضع إصبعنا على الجرح. فالحكم على القرارات لا يكون حين تكون الدولة مرتهنة بل حين تكون قادرة على أن تقول (نعم) أو (لا) دون أن ترتجف يد الوزير أو يرتفع حاجب الميليشيا.
ومع هذا الارتباك الفاضح لا يبدو مستغرباً أن يخرج غداً بيان آخر يقول: نعتذر… العراق نفسه لم يكن منقحاً خلال الأيام الماضية ونرجو إعادة تشغيل النظام. فالدولة تبدو كبرنامج معطوب يعمل بنسخة تجريبية يحتاج كل فترة إلى Restart ليستعيد شيئاً من وعيه ثم يفقده من جديد بين ضغط الخارج وضغط الداخل وضغط الخوف.
المشكلة ليست في بيان سُحب بل في عقل سياسي يُدار من وراء الستار عقل يتردد قبل كل خطوة يرتبك عند كل خطوة ويرتبك عند كل كلمة… ويُدار بزر (Ctrl+Z) أكثر مما يُدار من مؤسسة اسمها دولة..