🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي /
كاتبة وباحثة
كشف لقاء تلفزيوني مع نائب برلماني قبل يومين عن أرقام مالية صادمة تعكس هشاشة الوضع المالي في العراق، وتفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول قدرة الحكومة على إدارة الموارد العامة وحماية الموازنة من الانهيار التدريجي. الأرقام المعروضة تشير إلى أن الأزمة المالية ليست مجرد ضغوط وقتية على السيولة بل تتعلق بهياكل الدولة المالية بشكل مباشر بما يشمل المصارف صناديق التقاعد ودائع المؤسسات والمشاريع الاستثمارية الكبرى.
يعاني أحد المصارف الحكومية نقصاً حاداً في السيولة حيث يجد المودعون صعوبة في سحب أموالهم ما يعكس أزمة مالية حقيقية تتجاوز أي ضغوط مؤقتة. هذا الواقع المصرفي يشير إلى هشاشة الاحتياطي النقدي للدولة ويثير تساؤلات حول قدرة الحكومة على تغطية النفقات اليومية خاصة مع الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية المتقلبة والتي تمثل الجزء الأكبر من موارد الدولة.
وفي الوقت نفسه تم سحب الأموال المودعة كأمانات ضريبية بالكامل رغم أن هذه الأموال مخصصة ولا يجوز استخدامها إلا وفق قواعد محددة. اعتماد الدولة على موارد ليست ملكها أصلاً لسد العجز المالي اليومي يضع ثقة المواطنين والمؤسسات المالية أمام اختبار صعب ويكشف عن خلل في الإدارة المالية العامة.
تتجلى الأزمة أيضاً في المشاريع الكبرى المتأخرة حيث تراكمت مستحقات شركات المقاولات بمليارات الدينارات ما أدى إلى توقف المشاريع وارتفاع الدين الداخلي وركود في الدورة الاقتصادية. وحتى الأموال المخصصة لمشاريع بنية تحتية واتفاقيات استثمارية تم سحبها لسد العجز المالي وهو ما أفقد هذه المشاريع دورها التنموي واستنزف الإمكانات المالية المخصصة لتطوير الاقتصاد.
الأزمة تشمل كذلك استنزاف ودائع المؤسسات المالية وشركات التأمين وهي أموال كان من المفترض أن تبقى مستقلة وآمنة لضمان استقرار النظام المالي. علاوة على ذلك تم إجبار صناديق التقاعد على الدخول في استثمارات لا تتعلق بضمان أموال المتقاعدين ما يعكس خللاً واضحاً في السياسات الاستثمارية ويضع مدخرات المواطنين في خطر محتمل.
الفجوة بين الحكومة والبنك المركزي بلغت مستويات قياسية حيث طلب البنك المركزي تمويلاً بمليارات الدينارات لسد الفجوة وهو رقم يعكس أزمة سيولة وطنية حقيقية تتجاوز مجرد مشاكل محاسبية عابرة. هذه المؤشرات تؤكد أن الاقتصاد العراقي يواجه تحديات بنيوية متعددة تشمل توسع الإنفاق الحكومي التشغيلي دون وجود إيرادات كافية، ضعف الإيرادات غير النفطية الاعتماد المفرط على الاحتياطي النقدي للبنك المركزي سحب الأموال من صناديق مستقلة وأمانات، وارتفاع الدين الداخلي إلى مستويات قياسية دون خطة واضحة لإدارته.
غياب الشفافية في إدارة السيولة المالية يزيد من تعقيد الأزمة إذ لا توجد آليات دقيقة لمراقبة التدفقات النقدية أو تحديد الأولويات المالية ما دفع الدولة للاعتماد على التحويلات المؤقتة لسد الاحتياجات اليومية، وهو أسلوب قصير المدى يفاقم الأزمة على المدى المتوسط والطويل. العجز المالي الحقيقي لا يظهر في قوانين الموازنة الرسمية بل يتجسد على أرض الواقع من خلال سحب الودائع والأمانات استنزاف الأموال الفائضة، تحويل أموال صناديق التقاعد واستخدام الموارد لسد النفقات اليومية كل ذلك يحدث دون وجود إصلاحات هيكلية أو ضريبية فعالة.
في ظل هذه الظروف يُطرح تساؤل ملح: كيف ستواجه الدولة السنة المالية القادمة إذا انخفضت أسعار النفط إلى حدود 50–55 دولارًا للبرميل كما تتوقع المؤسسات المالية العالمية؟ هذا السيناريو يضاعف الضغط على الموازنة ويجعل الاعتماد على الموارد المؤقتة خطأً استراتيجياً قد يقود إلى أزمة أكبر وأكثر تعقيداً.
توقعات عام 2026 وتأثير انخفاض أسعار النفط وارتفاع صرف الدولار
مع اقتراب العام 2026 تشير التوقعات إلى تصاعد الضغوط المالية بشكل واضح. في سيناريو انخفاض أسعار النفط من المتوقع أن تزداد صعوبة تلبية طلبات السحب اليومية في المصارف الحكومية ما قد يؤدي إلى زيادة المخاوف حول الثقة في القطاع المصرفي. كما ستتوسع الحاجة لسحب الأمانات وصناديق الدولة لسد الإنفاق التشغيلي وهو ما قد يؤخر المشاريع التنموية الحيوية ويؤثر على الخدمات العامة مثل الكهرباء والصحة والتعليم. من المحتمل أيضاً ارتفاع الدين الداخلي بشكل أكبر إذا استمرت الحكومة في الاعتماد على الاقتراض لسد العجز مما يزيد من عبء خدمة الدين ويستنزف موارد الموازنة المستقبلية.
المشاريع الاستثمارية الكبرى ستتأثر أيضاً حيث سيصبح تمويل العقود القائمة والجديدة أكثر صعوبة وقد يؤدي ذلك إلى توقف المشاريع وتسريح العمالة وتراجع الاستثمار الخاص. دورة الاقتصاد الحقيقي ستشهد تباطؤاً واضحاً ما يزيد البطالة والفقر ويضغط على المستوى المعيشي للمواطنين.
ومع استمرار هشاشة السيولة والعجز المالي الكبير من المتوقع أن يرتفع سعر الدولار مقابل الدينار العراقي إذ يزداد الطلب على العملة الأجنبية كملاذ آمن للمدخرات خاصة مع اعتماد الدولة الكبير على النفط وتراجع الإيرادات غير النفطية. كما أن استنزاف الأموال من صناديق الدولة والودائع يزيد من فقدان الثقة بالدينار ما يضغط على قيمته ويعزز الميل لشراء الدولار وهو ما قد يؤدي إلى تقلبات إضافية في السوق إذا لم تُتخذ إصلاحات عاجلة لضبط الإنفاق وزيادة الإيرادات وحماية الصناديق الحكومية.
تتطلب الأزمة تبني استراتيجية مالية متكاملة تشمل ضبط الإنفاق زيادة الإيرادات، وحماية أموال الدولة من السحب القسري.
من الخطوات العاجلة التي يجب تنفيذها:
*وقف التوظيف العشوائي الذي يرهق الموازنة.
*ضبط الهدر المالي في الوزارات والمؤسسات الحكومية.
*تطوير آليات تحصيل الإيرادات غير النفطية بشكل فعال وشفاف.
*حماية صناديق الدولة بما فيها صناديق التقاعد وشركات التأمين من الاستغلال لأغراض الإنفاق اليومي.
*فرض سياسات استثمارية حكومية واضحة تتوافق مع معايير السلامة المالية وحماية مدخرات المواطنين.
*إصدار تقارير مالية ربع سنوية شفافة تعكس واقع الإيرادات والنفقات والديون وتسمح للجهات الرقابية والمواطنين بمتابعة أداء الحكومة.
خلاصة الوضع المالي في العراق لا يمكن وصفه بالانهيار الكامل لكنه يقترب من مرحلة حرجة تتطلب اتخاذ قرارات إصلاحية جريئة وواقعية.
إن إنكار العجز المالي أو محاولة تغطيته بالتحويلات المؤقتة لن يؤدي إلا إلى تراكم الأزمة وزيادة العبء على الحكومة المقبلة التي ستواجه تحدياً أكبر في إدارة الأموال العامة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. الإصلاح المالي الشفافية وضبط الإنفاق مع حماية صناديق الدولة وتعزيز الإيرادات غير النفطية هي المفتاح لتجاوز المرحلة الحرجة لعام 2026 وتحويل التحديات إلى فرصة لإعادة بناء هيكل الدولة المالية على أسس أكثر استدامة وواقعية وضمان استمرار الخدمات العامة وحماية مدخرات المواطنين.