🛑فرجال... news
د. عمران كاظم الكركوشي
لطالما حكمت السياسة الخارجية الأمريكية مبادئ ‘‘القيادة العالمية‘‘ و"نشر الديمقراطية"، وهي سياسات عززتها مرحلة ‘‘فائض القوة‘‘ التي أعقبت الحرب الباردة. لكن التحولات الأخيرة التي عبرت عنها استراتيحية الامن القومي الأمريكي، لا سيما مع تبني شعار ‘‘أمريكا أولاً‘‘ (America First)، لا تعكس مجرد تغيير في الأساليب، بل ترمز إلى تحول أعمق يمكن تسميته بـ ‘‘التقشف الأيديولوجي". هذا المفهوم يشير إلى التراجع الاستراتيجي عن الالتزامات الأيديولوجية الكبرى، وهو ما يستدعي تحليلًا رصينًا لفهم تبعاته على النظام العالمي.
1. ما هو ‘‘التقشف الأيديولوجي"؟
التقشف المالي يعني خفض الإنفاق لمواجهة العجز. على المستوى الجيوسياسي، يعني التقشف الأيديولوجي تقليص الإنفاق على المشاريع القيمية والمبادئ الدولية التي كانت تعتبر في السابق جزءاً لا يتجزأ من القيادة الأمريكية. خفض الأعباء الأيديولوجية: لم تعد الإدارة الأمريكية تنظر إلى صيانة التحالفات الإقليمية أو دفع أجندة الديمقراطية وحقوق الإنسان كـ ‘‘صالح عام‘‘ يجب أن تتحمله وحدها. بل أصبح يُنظر إليها كـ عبء مكلّف يستهلك موارد يمكن توجيهها إلى الداخل. التحول نحو البراغماتية الصرفة: الانتقال من ‘‘القيادة التحويلية‘‘ (التي تسعى لتغيير الأنظمة والدول) إلى ‘‘القيادة المعاملاتية‘‘ (Transactional Leadership)، حيث تُبنى العلاقات على أساس المصالح المادية الفورية والصفقات الثنائية البحتة، حتى لو كان ذلك على حساب حلفاء تقليديين أو قيم ليبرالية.
2. ‘‘أمريكا أولاً‘‘ كتعبير عن ‘‘نهاية فائض القوة"
شعار ‘‘أمريكا أولاً‘‘ ليس مجرد شعار انعزالي بسيط، بل هو اعتراف ضمني بأن الدولة لم تعد مستعدة أو قادرة على دفع ثمن إبقاء النظام العالمي الليبرالي كاملاً كما كان في العقود الماضية. ويمكن تلخيص دلالات هذا التحول فيما يلي: إعادة تقييم الأمن المشترك: الضغط على الحلفاء لتحمل ‘‘نصيبهم العادل‘‘ من التكاليف الدفاعية (كما حدث في الناتو) وهو شكل من أشكال التقشف الأيديولوجي. كما ان الالتزام بالدفاع المشترك لم يعد مبدأً مقدساً، بل خدمة تُدفع مقابلها. تغيير الأولويات الجيوسياسية: أصبح التركيز ينصب على الاستقرار المباشر والتبادل التجاري المواتي للولايات المتحدة، بغض النظر عن طبيعة الأنظمة الحاكمة. هذا يمثل تراجعاً عن دور ‘‘المشرف الأخلاقي‘‘ للعالم. التركيز على الداخل: التراجع عن الالتزامات الدولية الواسعة يهدف إلى تحرير الموارد لـ ‘‘بناء الأمة‘‘ في الداخل، وهو ما يعكس قناعة متنامية بأن مشاكل أمريكا الاقتصادية والاجتماعية الداخلية يجب أن تُعالج قبل التفكير في مشاكل العالم.
3. التبعات على المسرح العالمي
إن ‘‘التقشف الأيديولوجي‘‘ الأمريكي يخلق فراغاً هائلاً في القيادة، مما يؤدي إلى:
1. صعود التعددية القطبية: يفسح هذا التراجع المجال لقوى إقليمية ودولية (مثل الصين وروسيا) لملء الفراغ، وغالباً ما يتم ذلك وفقاً لقواعد ونظم بديلة عن النموذج الغربي.
2. تآكل الثقة في التحالفات: الحلفاء التقليديون، خاصة في أوروبا وآسيا، يضطرون إلى إعادة النظر في استراتيجياتهم الأمنية والدفاعية والبحث عن بدائل، مما قد يؤدي إلى مزيد من اللامركزية في النظام الأمني العالمي.
3. انتهاء ‘‘الحرب الأيديولوجية": بدلاً من الانخراط في صراع أيديولوجي حول الديمقراطية مقابل الاستبداد، يبدو أن الولايات المتحدة تفضل الآن بيئة من التنافس النفعي المحدود.
إن فهم السياسة الأمريكية كـ ‘‘تقشف أيديولوجي‘‘ يوفر للمكاتب السياسية في المنطقة إطاراً تحليلياً دقيقاً. يجب أن يُبنى التعامل مع واشنطن اليوم على أساس المصالح المتبادلة الواضحة، مع الأخذ في الاعتبار أن زمن الالتزامات الأيديولوجية الأمريكية المطلقة قد ولى.