🛑فرجال... news
ليس سؤال الرصانة والنتانة سؤالَ ذائقةٍ عابرة، ولا هو مجرّد تفضيلٍ شخصي بين محتوى “يعجبني” وآخر “لا يليق بي” ، إنّه سؤال أخلاقي، معرفي، وثقافي بامتياز؛ سؤال عن أيّ وعيٍ نريد، وأيّ إنسانٍ نصنع، وأيّ مستقبلٍ نُمهِّد له ونحن نضغط زرّ المشاهدة ببراءةٍ زائفة ، في الفضاء الرقمي، حيث تتكدّس البرامج وتتناسل المنصّات، لم يعد الصخب استثناءً، بل صار هو القاعدة ، برامج لا تريد أن تقول شيئاً، تصرخ كثيراً، محتوى لا يحمل فكرة، لكنه يملك أرقام مشاهدة فلكية ، ضحكٌ بلا معنى، إثارة بلا غاية، وابتذال يُقدَّم بوصفه “حرية” أو “جرأة”، إنّها نتانة لا تُشمّ بالأنف، بل تُشمّ بالعقل، حين يفقد قدرته على التمييز ، في الجهة المقابلة، تقف الرصانة وحيدة، متهمة بالملل، مُدانة بالعمق، ومُحاصَرة بلغة السوق: فمن يريد الفكر اليوم؟ ومن يصبر على فكرة تحتاج إلى تأمّل ؟ من يغامر بمشاهدة برنامج لا يضحك عليه، بل يوقظه؟ البرامج الرصينة لا تلهث خلف الترند، ولا تتوسّل الفضيحة، ولا تُقايض قيمها بعدد النقرات ، هي برامج تعرف ما تريد، وتعرف لماذا تقول ما تقول ، مبادئ الحلقة فيها واضحة: فكرة، سؤال، حُجّة، ومسؤولية ،لا تُهين عقل المتلقّي، ولا تفترض غباءه، ولا تُدرّبه على الاستهلاك الأعمى، الرصانة هنا ليست تجهّماً، بل احتراماً ، أما برامج التفاهة، فهي الوجه الآخر للتقدّم التقني حين يُفلت من أيّ ضابط أخلاقي ، تكنولوجيا مبهرة تُستخدم لتقزيم الإنسان، لا لرفع وعيه، خوارزميات ذكية، لكن بعقول كسولة، أنظمة عرض فائقة، لمحتوى أجوف، هذا هو “نظام التفاهة” الذي لا يكتفي بتسطيح العقول، بل يعيد تشكيلها على مقاس الضجيج ، وليس هذا معزولاً عن المشهد الإنساني الأوسع، حيث بات نفاق البشر ضد البشر رعبٌ مركّب ، وعنف البشر ضد البشر رعبٌ مركّب ، وزيف البشر ضد البشر رعبٌ مركّب ، وحرب البشر ضد البشر رعبٌ مركّب ، والعامل المشترك الأكبر في كلّ هذا هو المفارقة القاتلة: تقدّم تكنولوجي مذهل يتزامن مع عودة فظيعة إلى وحشية العصور المظلمة ، حروب، إبادة، أمراض مصنَّعة، مدنيون يسبحون في دمائهم، ومشاهد لا تحتاج إلى خيال. ما جرى في غزّة ليس خبراً، بل شهادة دامغة على فشل “التقدّم” حين يُفصل عن القيم ، في هذا السياق، لا تبدو التفاهة ترفاً بريئاً، بل شريكاً صامتاً في الجريمة، حين يُدرَّب الإنسان على الضحك من كلّ شيء، سيتعلّم لاحقاً أن يمرّ على الدم بلا اكتراث، حين يُقنع بأنّ كلّ شيء “محتوى”، سيصعب عليه التمييز بين الحقيقة والمشهد، بين المأساة والعرض ، المقال هنا ليس دعوة إلى الوصاية، ولا حنيناً رومانسيّاً إلى زمنٍ لم يكن مثالياً ، هو دعوة إلى استعادة البوصلة، إلى أن نسأل: ماذا نفعل بهذه الأدوات الهائلة؟ أَنُراكم بها الوعي أم النتانة؟ هل نصنع بها إنساناً أكثر فهماً، أم جمهوراً أكثر طاعة للخوارزميات؟