🛑فرجال... news
استاذ الفلسفة التجريدية
عصام الصميدعي
لم تعد الهيمنة في العصر الحديث تقوم على الجيوش والدبابات وحدها، بل انتقلت إلى مستوى أكثر خطورة وتعقيدًا، يتمثّل في التحكم بالعقل الجمعي للشعوب. ففي قلب هذا التحوّل، برز دور مراكز البحوث الاستخبارية التابعة للدول المهيمنة، التي لم تعد تكتفي بجمع المعلومات، بل أصبحت تصنع الاتجاهات، وتعيد تشكيل الميول الجماهيرية، وتنتج رموزًا قيادية مُعلّبة بعناية.
تعتمد هذه المراكز على برامج بحثية عميقة في علم النفس الاجتماعي، والسلوك الجمعي، وتحليل الثقافة المحلية، بهدف إنتاج “رمزية مبتكرة” قادرة على التسلل إلى الوعي العام، وتصدّر المشهد السياسي في الدول الواقعة تحت النفوذ. هذه الرمزية لا تُفرَض بالقوة، بل تُزرَع تدريجيًا عبر الإعلام، والخطاب السياسي، ومنصات التواصل، حتى تصبح خيارًا يبدو “طبيعيًا” أو “شعبيًا”.
ومن هنا، تتحول قيادة الشعوب إلى عملية سلسة، تقوم على الطاعة الناعمة لا القسر، حيث يُقنع الجمهور بأن ما يُملى عليه هو اختياره الحر. وفي هذا السياق، يصبح نهب الخيرات واستنزاف الموارد نتيجة لاحقة، لا تحتاج إلى مقاومة حقيقية، لأن الوعي ذاته قد جرى تطويعه مسبقًا.
أما الحديث المتكرر عن “الديمقراطية” بوصفها غاية مطلقة، فيُعاد توظيفه داخل هذه المنظومة كأداة لإنتاج حكّام منفصلين عن شعوبهم، خاضعين للبرامج البحثية والتوجيهات غير المرئية لتلك المراكز. وهكذا، تُفرغ الديمقراطية من مضمونها الأخلاقي، لتتحول إلى واجهة تُدار من خلف الستار.
إن ما يجري اليوم في مختلف أنحاء المعمورة هو معركة وعي بالدرجة الأولى، معركة لا تُسمَع فيها أصوات المدافع، لكنها تُحدث أعمق أشكال الإخضاع. ومن لا يدرك آلياتها، سيبقى يظن أن ما يحدث قدرٌ، لا صناعة متقنة للعقول قبل الأنظمة.