🛑فرجال... news
منذ عام 2003، شكّلت الفصائل العراقية المسلّحة أحد أكثر الظواهر تعقيداً في المشهد السياسي والأمني العراقي. فهي لم تكن كياناً ثابتاً، بل حالة متحوّلة، انتقلت بين أدوار المقاومة، والأمن، والسياسة، والتأثير الإقليمي. اليوم، وفي ظل تحوّلات داخلية وضغوط إقليمية ودولية متسارعة، تقف هذه الفصائل عند مفترق حاسم بين منهجية التأقلم مع الواقع الجديد، ومنهجية الخيارات بوصفها مساراً لإعادة تعريف الدور والمستقبل. أولاً: منهجية التأقلم – البقاء داخل الواقع المفروض
1. تعريف التأقلم في حالة الفصائل
منهجية التأقلم تعني: القبول الضمني بقواعد اللعبة القائمة، ومحاولة الاستمرار بأقل كلفة ممكنة، دون السعي الجدي لتغيير بنية الواقع. في هذا السياق، يتجلّى التأقلم عبر: تخفيض مستوى الاشتباك تغيير الخطاب الإعلامي دون تغيير البنية انتظار المتغيرات الخارجية (انتخابات، أزمات إقليمية، تغيّر الموقف الأميركي)
2. مظاهر التأقلم العملي
سياسياً: الاندماج الجزئي في العملية السياسية مع الاحتفاظ بأدوات القوة خارجها أمنياً: تجنّب الصدام المباشر، مقابل الاحتفاظ بورقة السلاح كضمانة إعلامياً: خطاب مزدوج؛ وطني داخلي، وتصعيدي مشروط خارجياً التأقلم هنا لا يحل الإشكال، بل يؤجّله.
3. مخاطر منهجية التأقلم
رغم أن التأقلم قد يمنع الصدام الفوري، إلا أنه يحمل مخاطر استراتيجية، أبرزها: تحوّل السلاح من وسيلة ردع إلى عبء سياسي تآكل الشرعية الشعبية بمرور الزمن الارتهان الدائم لعوامل خارجية لا يمكن التحكم بها التأقلم الطويل الأمد ينتج هشاشة مؤجلة، لا استقراراً حقيقياً. ثانياً: منهجية الخيارات – الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل
1. ماذا تعني الخيارات في هذا السياق؟
منهجية الخيارات تقوم على: إعادة تقييم الدور، وفتح مسارات متعددة، واختيار الأقل كلفة والأكثر انسجاماً مع الدولة والمجتمع. وهي لا تعني بالضرورة: الاستسلام أو التفريط بل تعني الانتقال من منطق الضرورة إلى منطق الإمكانية.
2. الخيارات المتاحة (نظرياً وعملياً)
أ. خيار الاندماج المؤسسي الكامل تحويل القوة المسلحة إلى إطار قانوني منضبط حسم الازدواجية بين الدولة واللادولة ربح الشرعية مقابل خسارة هامش المناورة ب. خيار التحوّل السياسي الصريح فك الارتباط بين السلاح والعمل السياسي التنافس عبر البرامج لا التهديد الضمني القبول بقواعد اللعبة الديمقراطية ج. خيار إعادة تعريف الدور الانتقال من فاعل أمني إلى فاعل اجتماعي/خدمي الاستثمار في الحضور المجتمعي لا العسكري بناء نفوذ ناعم بدل النفوذ القسري
3. كلفة الخيارات مقابل كلفة التأقلم
المفارقة الجوهرية أن: الخيارات مكلفة الآن لكن التأقلم أكثر كلفة لاحقاً التاريخ السياسي يثبت أن القوى التي لا تختار، يُختار لها. ثالثاً: البعد الإدراكي – كيف تُرى الفصائل اليوم؟ في إدارة الإدراك العام: التأقلم يُسوَّق كحكمة والجمود يُقدَّم كاتزان بينما تُصوَّر الخيارات كتنازل أو ضعف وهنا تكمن الإشكالية: حين تُخدَّر الإدراكات، تُعطَّل القدرة على اتخاذ القرار. الفصائل لا تواجه فقط سؤال السلاح، بل سؤال الصورة والشرعية والمعنى. رابعاً: الدولة الغائبة والحسم المؤجل لا يمكن فصل مسار الفصائل عن: ضعف الدولة ازدواج القرار غياب مشروع وطني جامع لكن هذا الواقع لا يعفي أي فاعل من مسؤوليته التاريخية. ففي غياب الدولة القوية: التأقلم يُطيل الأزمة والخيارات الشجاعة قد تفتح نافذة الحل خاتمة تقف الفصائل العراقية المسلّحة اليوم بين طريقين: طريق التأقلم: بقاء بلا أفق، وتأجيل بلا حل طريق الخيارات: قرار صعب، لكنه قابل للتحوّل إلى مستقبل والسؤال الحقيقي لم يعد: كيف تبقى الفصائل؟ بل: أي عراق سيبقى معها أو بدونها؟ الخلاصة القوى التي تؤجّل خياراتها باسم الواقعية، قد تكتشف متأخرة أن الواقعية الحقيقية كانت في الاختيار لا في التأقلم.