🛑فرجال... news
ثائرة اكرم العكيدي /كاتبة وباحثة
في العراق لم تعد السيرة الذاتية ولا البرامج السياسية ولا التاريخ الوطني معياراً للوصول إلى المناصب. يكفي أن تكون أخاً أو قريباً فالمناصب هنا لا تأتي من صناديق الاقتراع ولا من عرق التجربة بل من شجرة العائلة ومن دفتر العلاقات.
منذ عام 2003 يمشي العراق بهذه القاعدة البسيطة المناصب توزع للأقربين بالمعروف والسلطة تمنح كما تُمنح الهدايا في المناسبات العائلية بينما الدولة تقف جانباً تراقب بلا اعتراض.
المفارقة أن كثيرين ممن لا يملكون أي مؤهلات تجعلهم يستحقون أن يكونوا في مواقع حساسة يحكمون دولة يتجاوز عدد سكانها 40 مليون نسمة. واليوم وصلنا إلى مرحلة جديدة في تطور الدولة مرحلة لم يعد فيها المنصب استثناء بل أصبح حقاً عائلياً مكتسباً.
تنسيب الأخ رئيساً للبرلمان لم يعد يثير الدهشة لأنه يتماشى تماماً مع السياق العام سياق يرى في البرلمان مرآباً عائلياً لا بيتاً للشعب وفي التشريع إجراء قرابة لا فعل عقل وفي السلطة إرثاً لا مسؤولية.
منذ 2003 يعيش العراق هذا المشهد المتكرر تتبدل الوجوه وتتغير اللافتات، لكن القاعدة واحدة. القريب أولاً والكفاءة لاحقاً إن حضرت أصلاً.
تُوزع الوزارات كما توزع الغنائم وتُمنح المواقع كما تُمنح الصكوك بينما يبقى المواطن خارج القسمة ينتظر دوره منذ عقدين بلا جدوى.
في بلد تُدار فيه المناصب كما تُدار المحاصصات يُفرغ القرار في المكان الخطأ ويترك الشعب مفتقراً تتغير السحنات لكن الوجوه ذاتها. والطريق ذاته والحمل دائماً من جيب الوطن.
فلا تنمية تصل ولا دولة تقوم لأن المقود ليس بيد الدولة بل بيد العائلة.
لا أحد يسأل عن الكفاءة لأن السؤال نفسه صار ترفاً ولا أحد يستغرب لأن الدهشة استقالت منذ زمن طويل. ما يحدث لم يعد فضيحة بل أصبح عرفاً والعرف في العراق أقوى من القانون وأرسخ من الدستور.
نقرأ الفاتحة لا على شخص بعينه بل على فكرة الدولة على وهم الفصل بين السلطة والقرابة على حلم الدولة المدنية الذي دفن منذ أول محاصصة. رحم الله العراق وأسكنه فسيح الصبر فهو منذ 2003 يتعلم كيف يتعايش مع الخيبة وكيف يعتاد على أن المناصب توزع للأقربين بالمعروف بينما الوطن يدفع الثمن كاملاً في كل مرة..