🛑 فرجال... news
يعود الكاتب محمد بشير أحمد في الجزء الثاني من مشروعه الروائي «لعنة أبايزو» برواية «سرمد»، عمل أدبي يبتعد عن التفسير المباشر، ويختار الاشتغال على منطقة رمادية معتمة، حيث لا يُقدَّم الشر بوصفه حدثًا مفاجئًا، بل كحالة وعي منظمة تفرض حضورها بهدوء واستمرار.
وتسعى «سرمد» إلى إعادة ترتيب مركز العالم الروائي الذي بدأ في الجزء الأول، دون توسيعه شكليًا، إذ يقترب الصوت الذي كان يعمل في الظل، وتنكشف المنظومة التي كانت تتحكم من بعيد، في سرد لا يشرح بقدر ما يُشعر، ولا يعلن بقدر ما يُلمّح.
ولا تُقدَّم شخصية «سرمد» ككيان أسطوري تقليدي، بل كفكرة متجسدة وسلطة غير معلنة، حيث تُمارَس القوة من خلال الرهبة لا الفعل، وتُدار الطاعة عبر الخوف الصامت لا الأوامر. في هذا العالم، يصبح الامتناع عن السؤال شرطًا للاستمرار.
وتدور أحداث الرواية داخل فضاء مغلق تتداخل فيه الجغرافيا بالنفس، وتتحول القلعة إلى رمز لمكان لا يضيء بقدر ما يكشف، فيما تعمل النار والممرات بوصفها عناصر مراقبة لا خلاص، تعيد الشخصيات دائمًا إلى نقطة قرار غير منطوق لكنه نافذ.
ولا تقوم الرواية على صراع صاخب أو مواجهة مباشرة، بل على اقتراب بطيء من تصادم حتمي، تحكمه ذاكرة مفتوحة ودم لم يُنسَ، واسم غائب يظل حاضرًا بثقله في بنية السرد وحركة الشخصيات.
وتكشف «سرمد» عن نظام ظلامي منضبط، لا يقوم على الفوضى بل على ترتيب داخلي صارم، حيث يتحول الخوف إلى آلية عمل، والطاعة إلى قيمة، في مساءلة عميقة لمعنى السلطة حين ترى في وجود الآخر تهديدًا بحد ذاته.
وتُختتم الرواية دون إغلاق نهائي، تاركة الأسئلة معلّقة، ومؤكدة أن الغموض هنا ليس نقصًا في الدلالة، بل خيارًا جماليًا وفكريًا، يجعل من «سرمد» تجربة سردية مفتوحة، تحذر من أن الظلام لا يفرض نفسه بالقوة، بل يجد مكانه حين يكون مُعدًّا سلفًا.