🛑فرجال... news
في الفضاء الرقمي المعاصر، لم تعد العقيدة تُقدَّم بوصفها إطارًا وجوديًا يشكّل وعي الإنسان وهويته، بل بوصفها خيارًا شخصيًا قابلًا للتعديل، يشبه في منطقه تغيير الإعدادات أو حذف الحسابات، هذا التصور، الذي يبدو للوهلة الأولى تعبيرًا عن حرية الفرد، يخفي في عمقه تحوّلًا خطيرًا في فهم الإنسان لذاته، ولعلاقته بالمعنى، ولحدود الاختيار نفسه.
إن اختزال العقيدة إلى “خيار” يتجاهل طبيعتها العميقة بوصفها بنية هوية، لا مجرد رأي عابر، فالعقيدة ليست موقفًا فكريًا مؤقتًا، بل منظومة تفسيرية كبرى، من خلالها يفهم الإنسان ذاته، والعالم، والغاية من الوجود، هي العدسة التي يرى بها المعنى، لا فكرة يمكن استبدالها دون أثر بنيوي في النفس والوعي،
الثقافة الرقمية، بطبيعتها السريعة والسيولة، أعادت تعريف مفاهيم الالتزام والثبات والانتماء، كل شيء قابل للتحديث، للتعديل، للحذف، وحتى للعودة المؤقتة ، في هذا السياق، يصبح الثبات قيمة سلبية، ويُنظر إلى الالتزام طويل الأمد بوصفه عبئًا أو قصورًا في “المرونة”، وحين تُنقل هذه الذهنية إلى مجال العقيدة، يتحول الإيمان من علاقة وجودية عميقة إلى تجربة مؤقتة، خاضعة للمزاج والظرف والسياق، لكن الخطورة لا تكمن في حرية الاختيار بحد ذاتها، بل في وهم الاختيار، فالإنسان الذي يُطلب منه أن يغيّر معتقده كما يغيّر حسابه، يُدفع – دون وعي – إلى فقدان الجذور لا إلى توسيع الأفق، إذ لا يمكن للهوية أن تتشكل في فراغ، ولا للمعنى أن يستقر في وعي يتعامل مع القناعات الكبرى بوصفها قابلة للتجربة المؤقتة، إن تحويل العقيدة إلى رأي، ثم إلى خيار، ثم إلى إعداد، يُنتج إنسانًا بلا مركز، سريع الانتماء، أسرع في الانفصال، يعيش تعددية سطحية لكنه يفتقر إلى العمق الوجودي، إنسانًا يمتلك وفرة من البدائل، لكنه يعاني فقرًا في المعنى ، في هذا الإطار، لا تُلغى العقيدة صراحة، ولا تُحارب بشكل مباشر، بل تُفرّغ من بعدها الوجودي. تصبح “هوية شخصية” بلا مسؤولية، و”تجربة روحية” بلا التزام، و”قناعة” بلا امتداد أخلاقي أو اجتماعي ، وهكذا يُعاد تشكيل الإنسان لا بوصفه كائنًا باحثًا عن الحقيقة، بل مستخدمًا دائم التبديل ، إن الدفاع عن العقيدة في العصر الرقمي لا يكون عبر خطاب صدامي أو وعظي، بل عبر إعادة طرح السؤال الجوهري: هل الإنسان كائن بلا جذور فعلًا؟ أم أن حاجته إلى المعنى، واليقين، والانتماء، أعمق من أن تُدار بمنطق الإعدادات؟
العقيدة، حين تُفهم بوصفها هوية ومعنى، لا تناقض الحرية، بل تمنحها اتجاهًا، وحين تُختزل إلى خيار قابل للتبديل، لا يتحرر الإنسان، بل يفقد نفسه بهدوء.