🛑فرجال…news
كشفت تحقيقات صحفية موسعة أن الصين نجحت، عبر استراتيجية طويلة الأمد امتدت لأكثر من ستة عقود، في إحكام سيطرتها على مفاتيح صناعة التكنولوجيا العالمية من خلال الهيمنة شبه المطلقة على سوق المعادن النادرة، وهي عناصر أساسية تدخل في إنتاج الذكاء الاصطناعي، والبطاريات المتقدمة، والصناعات العسكرية، والطاقة المتجددة.
ووفق تحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، استند إلى مقابلات ميدانية ودراسات تقنية منذ عام 2009، فإن بكين لم تبنِ نفوذها الحالي بالصدفة، بل عبر تخطيط ممنهج جمع بين القرار السياسي، والبحث العلمي، والدعم الصناعي، مستفيدة من اكتشاف مبكر لرواسب ضخمة من المعادن النادرة شمال البلاد.
تعود جذور هذه الاستراتيجية إلى عام 1964، حين اكتشف جيولوجيون صينيون مخزونًا هائلًا من المعادن النادرة قرب مدينة باوتو. آنذاك، تنبّه القادة الصينيون، وفي مقدمتهم دينغ شياو بينغ، إلى الأهمية الاستراتيجية لهذا المورد، ليبدأ لاحقًا إدماجه في صلب السياسات التنموية للدولة.
وخلال سبعينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من الاضطرابات التي شهدتها البلاد إبّان الثورة الثقافية، كُلّف علماء صينيون بتطوير تقنيات محلية منخفضة الكلفة لتنقية هذه المعادن. وأسفرت الجهود البحثية عن ابتكار طرق إنتاج أحدثت نقلة نوعية، خفّضت التكاليف، ومكّنت الصين من التفوق على منافسيها الصناعيين.
في الثمانينيات، أدرجت الحكومة الصينية المعادن النادرة ضمن خططها الخمسية، ووسّعت طاقاتها الإنتاجية بوتيرة متسارعة، لتتحول بحلول منتصف الثمانينيات إلى أكبر منتج عالمي. غير أن التحول المفصلي جاء في التسعينيات، مع انتقال تقنيات غربية متقدمة إلى الصين عقب استحواذ شركات صينية على أصول صناعية أمريكية متخصصة في صناعة المغناطيسات عالية الأداء.
ومع اتساع الصناعة، واجهت الصين تحديات بيئية خطيرة، ما دفع السلطات، مطلع الألفية الجديدة، إلى فرض قيود صارمة على التصدير، وإعادة تنظيم القطاع تحت إشراف الدولة، وتقليص نشاط المناجم غير المرخصة، في خطوة هدفت إلى إحكام السيطرة وتقليل الأضرار البيئية.
وفي عام 2010، دخلت المعادن النادرة لأول مرة دائرة الصراع الجيوسياسي، حين استخدمتها بكين كورقة ضغط في نزاع إقليمي، ما أثار قلقًا دوليًا واسعًا، وكشف حجم اعتماد الاقتصادات المتقدمة على الإمدادات الصينية.
ومع وصول الرئيس شي جين بينغ إلى السلطة، أصبحت المعادن النادرة جزءًا من مفهوم الأمن القومي، حيث وُصفت رسميًا بأنها مورد استراتيجي بالغ الأهمية. وبحلول عام 2025، كانت الصين تنتج النسبة الساحقة من المغناطيسات النادرة عالميًا، وتسيطر على مرافق تكرير لا بديل لها في سلاسل التوريد الدولية.
في المقابل، أظهر التحقيق أن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وأوروبا، تعاني فجوة متزايدة في الكوادر المتخصصة والبنية البحثية، ما زاد من اعتمادها على الصين في هذا القطاع الحيوي.
ويخلص التحقيق إلى أن ما حققته بكين لم يكن مجرد نجاح اقتصادي، بل انتصار استراتيجي في سباق الموارد، جعل جزءًا كبيرًا من مستقبل التكنولوجيا العالمية، والطاقة النظيفة، والأمن الصناعي، مرتبطًا بعناصر تُستخرج وتُعالَج داخل الأراضي الصينية.