🛑فرجال... news
ليس كلُّ غريبٍ يأتي من الخارج، بعضُ الغرباء يولدون معنا، يكبرون في ظلالنا، ويتعلّمون الصمت قبل الكلام ، هذا الغريب الذي يسكنني ليس آخرَ بعيدًا عنّي، بل هو أنا حين أُهمِل نفسي، حين أُؤجِّل الإصغاء إلى ذلك الصوت الخافت الذي لا يطالب بشيء سوى الاعتراف ، الاعتذار له ليس فعلَ ندمٍ أخلاقي، بل لحظةُ وعيٍ متأخّرة، حين نكتشف أن أكثر من خذلناه كان أقربنا إلينا ، في داخل كلّ واحدٍ منّا كائنٌ لم نحسن استضافته، نحمله في زحام الأيام، ونتركه واقفًا عند عتبة القلب، نغلق الأبواب بحجّة الانشغال، ونقايض حضوره بطمأنينةٍ زائفة ، يتكوّن هذا الغريب من حكاية اغترابٍ طويلة، من ذكريات لم تُغلق أقواسها، ومن مواقف ما زالت معلّقة كسؤالٍ كونيّ لا يجد صيغة نهائية، هو الذاكرة حين ترفض أن تتحوّل إلى ماضٍ، وهو الجرح حين يتقن فنّ الاختباء ، هذا الغريب ليس حزينًا على الدوام، فيه حلاوةٌ خفيّة تشبه لحظة اكتشافٍ مؤجَّلة، وفيه قدرة غامضة على الدهشة، لكن وعيَنا القاسي يمزّقه بالسؤال: لماذا لم نكن كما أردنا؟ ولماذا مررنا إلى جانب ذواتنا دون أن نتوقّف؟ هكذا يتحوّل السؤال من أداة معرفة إلى سكينٍ داخلي، يفتح الجرح كلّما ظننّا أنّه التأم ، نحن كائنات تُنفق أنصاف أعمارها مقابل نظرةٍ ثانية؛ وجهٍ غائب، احتمالٍ لم يكتمل، أو وعدٍ ظننّاه خلاصًا، نمنح الزمن بسخاءٍ غريب، ثم نغضب منه حين لا يعيد إلينا ما أعطيناه طوعًا، في هذا التبادل الخاسر، يراقبنا الغريب الذي في الداخل بصمتٍ ثقيل، كأنّه يعرف النهاية منذ البداية، لكنّه لا يتدخّل، لأنّ خيباتنا جزء من تكوينه ، الفلسفة هنا لا تأتي لتفسير هذا الغريب، بل لتبرير حضوره ،فالإنسان منذ لحظة وعيه الأولى، محكوم بالانقسام: ذاتٌ تعيش وذاتٌ تراقب، واحدةٌ تنخرط في العالم، وأخرى تبقى في الخلف، تسجّل، وتحلم، وتخاف ، هذا الانقسام ليس عيبًا وجوديًا، بل شرطٌ إنسانيّ ،غير أنّ المأساة تبدأ حين ننحاز بالكامل إلى ذاتٍ واحدة، ونترك الأخرى تنزف بصمت ، الحنين في هذا السياق، ليس استذكارًا للماضي، بل خوفًا من ضياع معنى لم يُعش كاملًا حنينٌ مرعب، لأنّه لا يشبه شيئًا محدّدًا، ولا يتعلّق بزمنٍ واضح، بل يأكل الروح ببطءٍ لا يُرى، هو شوقٌ إلى ما كان يمكن أن نكونه، إلى نسخةٍ بديلة من حياتنا، لم تُمنح فرصة الخروج إلى الضوء ، لذلك يأتي الاعتذار متأخّرًا، هشًّا، لكنه ضروري، اعتذارٌ إلى ذلك الغريب الذي صبر على تجاهلنا، وحمل عنا ثقل الأسئلة، وبقي واقفًا في المسافة بين ما نحن عليه وما حلمنا به ،الاعتذار هنا ليس وعدًا بالإصلاح، بل اعترافٌ بالوجود، وبأنّ هذا الغريب ليس دخيلًا، بل شريكٌ في الرحلة ، ربما لا نستطيع إنقاذ كلّ ما فات، لكنّنا نستطيع على الأقل أن نفتح نافذة لهذا الغريب، أن نسمح له بالتنفّس، وأن نعترف بأنّ في داخلنا حياةً أخرى، لم تُعش بعد، لكنها ما زالت ممكنة، وفي هذا الإمكان، وحده، تبدأ المصالحة