🛑فرجال... news
د. ناجي الفتلاوي
يبدو العالم اليوم وكأنه يتخفّف تدريجيًا من معناه الأخلاقي، لا بوصفه نتيجةً عرضيةً لتراكم الأزمات، بل كنتيجة مباشرة لتحوّل عميق في طريقة إدارة الصراع الدولي، فما نشهده من قتلٍ مفتوح واعتقالٍ بلا أفق قانوني وتطبيعٍ متزايد مع العنف، ليس مجرد اختلالٍ في النظام العالمي بل انكشافٌ كامل لمنطقٍ جديد لا يعترف إلا بالقوة ولا يرى في القانون سوى أداة انتقائية تُستدعى حين تخدم الأقوياء وتُهمل حين تعيقهم،
لقد تآكلت الفواصل التي كانت ولو شكليًا تضبط السلوك الدولي: السيادة، الشرعية، حقوق الإنسان، وحتى فكرة العدالة ذاتها، ومع كل أزمة جديدة يتضح أن العالم لا يُدار اليوم بعقل الدولة ولا بحكمة المؤسسات، بل بعقلية “الرجل المسلّح” الذي يفرض إرادته أولًا، ثم يبحث لاحقًا عن سردية تبرّر فعله.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الأثر العميق لما يمكن تسميته بـ عقلية الكاوبوي السياسي التي أعاد دونالد ترامب تكريسها في الوعي الدولي ، فترامب لم يكن مجرد رئيسٍ شعبويٍّ عابر، بل كان تعبيرًا صريحًا عن تحوّل بنيوي في السياسة الأمريكية: من قيادةٍ تزعم حماية النظام الدولي، إلى قوةٍ تتعامل مع العالم كساحة اشتباك مفتوحة، تُدار بالضغط والابتزاز والعقوبات والضربات الاستباقية، دون اكتراثٍ حقيقي بتداعيات الفوضى هذه العقلية لا ترى في الخصم شريكًا محتملاً في تسوية بل هدفًا يجب إخضاعه ولا تؤمن بالوساطة بل بالاقتحام، ولا تعترف بتعقيد العالم بل تختزله في ثنائية بدائية: معنا أو ضدنا. وهنا تكمن الخطورة، لأن السياسة حين تُختزل بهذا الشكل، تتحول إلى فعلٍ عنيفٍ بلا ضوابط، وتصبح الفوضى نتيجةً منطقية لا استثناءً طارئًا ، إن ما يجري اليوم في أكثر من ساحة—من الحروب المفتوحة إلى النزاعات الرمادية إلى سياسات الاعتقال والعقاب الجماعي—يوحي بأن العالم يسير نحو فوضى دموية لا تشبه فوضى الماضي، فهذه الفوضى لا تنتج عن غياب القوة بل عن فائضها ولا عن ضعف الدولة بل عن تحوّلها إلى أداة قسرٍ مجردة من أي معنى أخلاقي ، وحين يخسر العالم معناه، لا يصبح الدم حدثًا استثنائيًا بل لغةً يومية ، ولا تعود المآسي صدماتٍ أخلاقية بل أخبارًا عابرة، وهنا بالضبط يكمن أخطر ما في اللحظة الراهنة: أن الإنسان يُقتل، ويُعتقل، ويُمحى، بينما العالم يواصل الدوران وكأن شيئًا لم يكن ، إن استعادة معنى العالم لا تبدأ بإعادة رسم الخرائط ولا بتوازنات السلاح بل بإعادة الاعتبار لفكرة أن القوة بلا قيمة أخلاقية تقود حتمًا إلى الخراب، أما الإصرار على إدارة الكوكب بعقلية الكاوبوي، فليس سوى وصفةٍ مؤكدةٍ لعالمٍ أكثر وحشية… وأقل إنسانية.