🛑فرجال... news
ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
تشهد الساحة السياسية العراقية اليوم حراكاً يتجاوز بمداليله مجرد الزيارات البروتوكولية إذ يبدو أن قوى الإطار التنسيقي، وتحديداً الجيل القيادي الأول الذي خبر دهاليز الحكم وتقلبات التحالفات منذ عام 2003، قد وصلت إلى قناعة مفادها أن الاستقرار السياسي يتطلب موازنة دقيقة في العلاقة مع القوى الكوردية. هذا التحول نحو الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي) لا يأتي كبديل عن العلاقة الراسخة مع الاتحاد الوطني الكوردستاني (اليكتي) بل هو اعتراف بضرورة بناء جسور متينة مع كافة الأطراف لتجاوز الأزمات التي فرضتها سياسات (كسر العظم) السابقة.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الاتحاد الوطني كحليف تاريخي وصمام أمان للمركز حيث أثبتت التجارب أن الرهان على قطب واحد دون الآخر لا ينتج استقراراً مستداماً بل يتطلب المشهد وجود ثقل (اليكتي) لضمان توازن القوى وعدم انفراد طرف واحد بقرار الإقليم.
إن الدوافع التي تحرك قادة الإطار اليوم نحو أربيل تمليها ضرورة التكيف مع وضع إقليمي ودولي شديد الحساسية، حيث يمثل (البارتي) ثقلاً نوعياً في الملفات المتعلقة بواشنطن لكن هذا التحرك لا يعني تهميش دور السليمانية التي لطالما كانت الحليف الأكثر فهماً لتعقيدات المشهد الشيعي والوطني. إن السعي لتقوية التفاهم مع أربيل يهدف إلى إيجاد غطاء سياسي أوسع في وقت يواجه فيه الإطار ضغوطاً تتعلق بملفات الفصائل والرقابة المالية حيث تصبح العلاقة مع (البارتي) ضرورة تكتيكية مكملة للشراكة الاستراتيجية مع (اليكتي) الذي يظل الطرف القادر على منح التوازنات الداخلية زخماً يمنع انزلاق الإقليم نحو أحادية القرار.
ومع ذلك يصطدم هذا المسار بجدار سميك من الشكوك المتبادلة. فالسؤال الجوهري في أروقة كردستان ليس عن رغبة الإطار في الصلح، بل عن ثمن هذا الصلح وضمانات ديمومته. لقد علمت التجارب السابقة القيادة الكوردية أن القوى في بغداد قد تلجأ للتفاهمات في لحظات الضعف، وما إن تستقر السلطة حتى تنقلب على الوعود. لذا فإن التقارب مع (البارتي) اليوم يضعه الإطار في ميزان المصالح والمحاصصة بينما يراقب (اليكتي) هذا التحرك بصفته الضامن الذي يمنع تحول هذه التفاهمات إلى صفقات ضيقة قد تضر بمصالح الإقليم الكلية أو بتوازن القوى التاريخي الذي يحفظ استقرار كردستان والعراق.
من الناحية العملية يجد الحزب الديمقراطي نفسه أمام اختبار صعب فمن جهة هو يحتاج لتصفية المشاكل العالقة مع بغداد، ومن جهة أخرى يدرك أن أي اتفاق لا يحظى بمباركة أو توازن مع القوى الكوردية الأخرى وعلى رأسها الاتحاد الوطني قد يولد ميتاً. إن الحالة السياسية العراقية تجعل من المستبعد جداً أن يكون هذا التقارب لوجه الوطن بل هو مقايضة سياسية يسعى فيها الإطار لانتزاع شرعية واستقرار بينما تحاول أربيل استعادة حقوقها الدستورية.
وفي خضم ذلك يبرز دور الاتحاد الوطني الكوردستاني كعنصر لا يمكن تجاوزه، حيث أن أي استقرار حقيقي في بغداد يجب أن يمر عبر بوابة التفاهم الشامل الذي يجمع بين ثقل أربيل الدولي وحنكة السليمانية السياسية وعلاقاتها العميقة بالداخل العراقي.
في المحصلة يظل (موسم الحج إلى أربيل) تعبيراً عن لحظة اضطرار براغماتية لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن الاتحاد الوطني الكوردستاني يظل الركيزة التي لا تكتمل معادلة التوازن بدونها.
فإذا لم ترفق هذه التحركات بتغيير حقيقي في عقلية الحكم في بغداد يؤمن بالشراكة مع الجميع فإن أي اتفاق ثنائي لن يكون سوى تأجيل للصراع. والكرة الآن في ملعب قادة الإطار لإثبات أن انفتاحهم على أربيل هو مكمل لشراكتهم مع السليمانية
ويظل حراك قوى الإطار نحو أربيل تعبيراً عن لحظة اضطرار براغماتية تؤكد في الوقت ذاته أن الشراكة مع الاتحاد الوطني الكوردستاني تمثل القاعدة الصلبة التي ينطلق منها أي استقرار حقيقي.
فالكرة الآن في ملعب قادة الإطار لإثبات أن انفتاحهم على أربيل يهدف إلى صياغة عقد سياسي شامل يجمع القوى الكوردية تحت سقف تفاهم وطني موحد، إيماناً بأن وحدة الموقف الكوردي وتكامل أدوار قطبيه (أربيل والسليمانية) هما الضمانة الوحيدة لتحقيق توازن مستدام يحمي بغداد والإقليم على حد سواء من هزات المستقبل.