🛑فرجال... news
منظر الفلسفة التجريدية الاستاذ عصام الصميدعي
في واقعنا المعاصر، استطاع كثير من رجال الدين أن يصنعوا لأنفسهم كاريزما خاصة عبر المظهر والسلوك؛ من العمامة واللحية والعباءة، إلى المشية المتثاقلة والكلام المنمق، وهي أدوات إقناع تؤثر في العقل البسيط وتمنح صاحبها هيبة اجتماعية، حتى وإن كان مستواه العلمي محدودًا. فالمظهر، في حالات كثيرة، أصبح بديلًا عن العلم الحقيقي، وصكّ قبولٍ جاهز في الوعي الجمعي.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود قلة مميزة من رجال الدين الذين يمثلون القدوة الصادقة، بما يمتلكونه من وعي عقلي وسلوك أخلاقي يجعلهم قريبين من نهج أهل بيت الرسول، حيث يجمعون بين العلم والعمل، ويؤدون دورهم بوصفهم مرشدين لا أوصياء. إلا أن هذا النموذج بات استثناءً في مقابل انتشار نمط آخر قائم على الخداع والتوظيف السياسي للدين.
لقد تحولت العمامة، في كثير من السياقات، إلى أداة تضليل تُستغل لاستدراج الناس وتبرير العنف، كما فعلت التنظيمات المتطرفة التي رفعت شعارات دينية لتبرير القتل والكراهية. وأسهمت مشاريع خارجية وأنظمة فاسدة في صناعة رجال دين مزيّفين، وتغذيتهم بعقائد متشددة، ثم دفعهم للسيطرة على دور العبادة وتحويلها إلى منصات لتفكيك المجتمع وتمزيق الأمة.
في هذا المناخ، أصبح رجل الدين غير المنتج عبئًا على المجتمع، يمارس سلطة كهنوتية مستندًا إلى قداسة مصطنعة، ويبث أفكارًا متقادمة ومشوّهة باسم الدين، معتمدًا على نصوص وتأويلات لا تنسجم مع القرآن ولا مع روح العصر. ونتيجة ذلك، وجد المثقف المؤمن نفسه مهمشًا ومحاربًا، لأنه يشكل خطرًا على هذا التزييف، بينما انكفأ آخرون أو ارتدوا قناع النفاق.
إن الدين، الذي هو منهج وعي وقيم، لا يمكن أن يُختزل في مهنة للارتزاق أو أداة للهيمنة. والتمييز يبقى واجبًا بين رجل دين مزيّف يهدم الوعي، ورجل دين عالم عابد عامل، يمثل الأب الروحي للمجتمع ويعيد للدين معناه الإنساني والأخلاقي.