🛑فرجال... news
ليست هذه التظاهرات الأولى في إيران، ولن تكون الأخيرة ما دامت العلاقة بين الاقتصاد اليومي والسياسة العامة تعيش حالة شدٍّ مزمن. فمنذ عقود، تتكرّر لحظات الاحتجاج بأشكال مختلفة: مرةً بسبب العملة، وأخرى بسبب الأسعار، وثالثة بسبب الضرائب أو فرص العمل. تتبدّل العناوين، لكن الجوهر يبقى واحداً: كيف يعيش الناس داخل منظومة قادرة على الصمود سياسياً، لكنها مُرهَقة اقتصادياً في تفاصيلها اليومية؟
على امتداد أكثر من أربعة عقود، أظهرت إيران قدرة واضحة على مقاومة العقوبات الدولية. لم يكن ذلك مجرّد خطاب، بل ممارسة عملية: شبكات التفاف مالية، علاقات بديلة، توجّه شرقاً، واكتفاء نسبي في بعض القطاعات. كما أن موقعها الجيوسياسي والبحري، الممتد بين الخليج وبحر عُمان، ووجودها في قلب طرق الطاقة والتجارة، منحاها هامش مناورة استراتيجياً لا يُستهان به. غير أن هذا كله لا يُلغي حقيقة اقتصادية بسيطة: الصمود وحده لا يصنع استقراراً طويل الأمد إن لم يُرافقه تنويع اقتصادي حقيقي يخفّف الضغط عن السوق والمجتمع.
من هنا، تبدو التظاهرات الأخيرة أقلّ ارتباطاً باسم النظام أو بنيته الأيديولوجية، وأكثر اتصالاً بوظيفة الدولة الاقتصادية. فالتاجر الذي يحتجّ اليوم لا يناقش نظرية الحكم، بل يناقش قدرته على الاستمرار في سوق فقد توازنه. والمواطن الذي يخرج إلى الشارع لا يسائل الجغرافيا السياسية، بل يسائل فاتورة حياته اليومية. وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح الاقتصاد لغةً أصدق من السياسة، وأشدّ فاعلية في كشف الاختلال.
هذا المشهد يعيدنا، بلا تكلّف، إلى تجربة تاريخية سابقة. ففي مطلع القرن العشرين، وخلال الحقبة القاجارية، لم تبدأ الاحتجاجات من النخب الفكرية ولا من صراعات الحكم، بل من البازار. يومها، كما اليوم، كان التاجر أول من شعر بأن الدولة تجاوزت حدودها الاقتصادية، وأن الجباية لم تعد منضبطة، وأن السوق تُترك وحيدة أمام انهيار القيمة وغياب الأفق.
في ذلك السياق، برز صوت محمد حسين النائيني، لا بوصفه منظّراً لنظام بديل بقدر ما كان مفكّراً في حدود السلطة. النائيني لم ينطلق من سؤال: ما هو شكل الحكم الأفضل؟ بل من سؤال أكثر واقعية وجرأة: متى تتحوّل الدولة، أيّاً كان اسمها، من إطار لتنظيم الحياة إلى عبءٍ عليها؟ ومتى تصبح الضرائب أداة إدارة عادلة، ومتى تتحوّل إلى علامة خلل واستبداد؟ كان يدرك أن الظلم لا يُقاس بعنوانه السياسي، بل بأثره المباشر على الناس.
اليوم، بعد أكثر من قرن، يتكرّر السؤال نفسه بصيغة معاصرة. إيران ليست دولة ضعيفة، ولا يمكن اختزالها في صورة اقتصاد محاصر بلا مخارج. لكنها، في الوقت نفسه، ليست معزولة عن قوانين الاقتصاد العالمي. فالعالم اليوم لا يعمل بمنطق الاكتفاء الصلب، بل بمنطق الشبكات المتنوّعة. والدول التي تنجح في الصمود دون أن تُجدّد أدواتها الاقتصادية، غالباً ما تدفع الكلفة من الداخل، حيث لا تُجدي الخطابات ولا تنفع الشعارات.
ويزداد المشهد تعقيداً حين تدخل العوامل الخارجية على الخط. فبعض الدول المعادية لإيران، وعلى رأسها الكيان الاسرائيلي، أعلنت دعمها العلني للتظاهرات، في محاولة واضحة لركوب موجة احتجاج معيشي وتحويلها إلى أداة صراع سياسي. هذا الدعم لا يصنع الاحتجاج، لكنه يسعى إلى استثماره. لا يُنتج الأزمة، لكنه يبحث عن ثغرة للنفاذ منها. وهنا تظهر المفارقة الدقيقة: الاحتجاج يبدأ من الداخل، لكن سرعان ما يصبح ساحة تنافس خارجي إذا تُركت أسبابه من دون معالجة.
التاريخ يعلّمنا أن إنكار البعد الخارجي خطأ، تماماً كما أن اختزال كل غضب اجتماعي بمؤامرة هو تضليل. ما يجعل الأزمات قابلة للاستثمار الخارجي ليس الدعم المعلن، بل وجود خلل داخلي يسمح بتحويل معاناة الناس إلى ورقة ضغط. وهذه القاعدة لا تخصّ إيران وحدها، بل تطال كل دولة تتقدّم فيها الجغرافيا السياسية على الاقتصاد اليومي للمواطن.
هكذا، تلتقي اللحظتان التاريخيتان، القاجارية والمعاصرة، عند نقطة واحدة: حين تضيق المعيشة، يتقدّم الاقتصاد على السياسة، ويغدو السوق ساحة السؤال الأخطر. لا لأن الناس تريد إسقاط الدولة، بل لأنها تريد أن تعيش داخلها بحدٍّ أدنى من الاستقرار والعدالة.
ويبقى السؤال، الذي يتجاوز لحظة التظاهر ويتخطّى أسماء الأنظمة والتجارب التاريخية:
هل يكفي أن تُحصِّن الدولة نفسها من الخارج، إذا بقيت شقوق الاقتصاد اليومي مفتوحة في الداخل، بحيث يستطيع الخصوم تحويل معاناة الناس إلى أدوات صراع؟