🛑فرجال... news
لستُ فرِحاً بترشيح نوري المالكي بقدر ما أنا مرتاح لفكرة رحيل محمد شياع السوداني. ومع كامل الاحترام للسيد المالكي، فقد أدرك مبكراً حجم الفجوة الاقتصادية التي خلّفتها حكومة السوداني، فضلاً عن ملف الضرائب التي تزامن تفعيلها مع فترة ما بعد الانتخابات، مما أثار تساؤلات لدى الشارع.
كانت هذه الإجراءات من الأسباب المباشرة لغليان الشارع، حيث شهدنا تظاهراتٍ متتالية شارك فيها الفلاحون، ثم المعلمون، فالمهن الطبية، فالمتقاعدون، والتجار المستوردون، وصولاً إلى المقاولين الذين يطالبون بمستحقاتهم عن مشاريع نُفِّذت لصالح الحكومة. واليوم نتابع اعتصامات واسعة للطبقة الأكاديمية في عموم العراق، مستمرة منذ أكثر من أسبوع.
إن الحديث عن إخفاق حكومة السوداني في الملف الاقتصادي لم يعد محل جدل، لكنه لم يكن السبب الوحيد لغضب الشارع؛ إذ شكّل التراجع عن الوعود والشعارات التي أطلقها قبيل توليه رئاسة الوزراء صدمة إضافية، لا سيما أنه كان يُقدّم نفسه كنائبٍ مدافع عن الفقراء والمتقاعدين والموظفين البسطاء.
أما المالكي فلا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون رئيساً للوزراء، لكنه يمتلك القدرة على التأثير في تسمية رئيس الحكومة. والدليل أنه كان من أبرز الداعمين لوصول السوداني إلى المنصب بدعم الإطار التنسيقي، استناداً إلى العرف السياسي الذي يمنح هذا الحق للكتلة البرلمانية الأكبر. غير أن السوداني، ومنذ بداية تشكيل حكومته، حاول رسم مسار سياسي مستقل عن الإطار الذي أوصله إلى السلطة، وهو طموح مشروع من حيث المبدأ، لكنه فُسِّر سياسياً على أنه تنكّر للتحالف الذي دعمه.
ومع هذا المسار، بدأ التصادم الإعلامي والسياسي مع قوى الإطار. حيث نجح السوداني في كسب جزء من الشارع عبر مشاريع خدمية وبُنى تحتية ومجسّرات، لا سيما في بغداد التي اختارها دائرة انتخابية له، إضافة إلى محافظات كان مستوى الإعمار فيها محدوداً. كما استقطب شخصيات سياسية من داخل الإطار وخارجه، وحتى من قوى كانت تُصنَّف معارضة له؛ بعضهم اقتنع ببرنامجه، وآخرون وجدوا في برنامجه تقاطعاً مع رؤاهم أو مصالح جمهورهم الانتخابي.
كذلك نجح في احتواء بعض القوى التي تمتلك السلاح عبر إشراك جزء منها في العمل السياسي، ووسّع شبكة علاقاته لتشمل شيوخ عشائر من خلال مناصب واستثناءات ودعم متنوع، ما دفع خصومه إلى توجيه اتهاماتٍ له بتحويل بعض مفاصل الدولة إلى منظومة علاقات عشائرية. ولا يمكن إغفال الانتقادات التي طالت حكومته بشأن منح مناصب مهمة لشخصيات من محيطه الاجتماعي، وهو ما أثار لغطاً واسعاً في الشارع.
كل هذه العوامل مثّلت، بنظر المالكي، أسباباً كافية للتحرك من أجل إيقاف تجديد ولاية السوداني، ولا سيما أنه أحد أبرز من ساهموا في وصوله إلى المنصب. وفي الوقت ذاته، بدأ الإطار التنسيقي يتعرّض لضغط شعبي متزايد، إذ حمّله الشارع مسؤولية إخفاقات الحكومة، واضعاً المالكي وبقية قوى الإطار في خانة واحدة.
ومع إعلان السوداني تحالف ‘‘الإعمار والتنمية"، الذي ضم عدداً كبيراً من النواب وشيوخ العشائر ورجال الأعمال وشخصيات إعلامية، إضافة إلى شخصيات وقوى من داخل الإطار، وتزعّمه للتحالف بنفسه، شعر الإطار بأن نفوذه بات مهدداً. عندها تصاعدت المخاوف، واستنفر المالكي، ليقرر الدخول المباشر في السباق الانتخابي وإعلان ترشيحه لرئاسة الحكومة، في منافسة حادّة انتهت بتقدّم المالكي من حيث عدد المؤيدين داخل الإطار، خصوصاً من القوى الرافضة لتجديد ولاية السوداني.
ولا يمكن تجاهل تأثير الشارع، الذي خسر فيه السوداني جزءاً كبيراً من رصيده، في مقابل حالة قبول متنامية لعودة المالكي لدى شرائح ترى فيه خياراً ‘‘أقل خسارة‘‘ في هذه المرحلة الحرجة.
إنها قصة تحالفٍ تحوّل إلى صراع نفوذ، عارض فيها المالكي تجديد ولاية السوداني. ولسان حاله يقول: لا أريد تجديد ولاية محمد شياع السوداني، ليس بدافع المنافسة الشخصية، بل خشية أن يؤدي استمرار الإخفاق إلى تفكك الإطار التنسيقي وتحميله كامل تبعات الفشل.