🛑فرجال... news
د. ناجي الفتلاوي
السؤال اعلاه كان يدور في مخيلتي منذ ثلاث سنين تقريبا عندما وعدني استاذي الفنان والمصمم العالمي الدكتور اياد الحسيني بلوحة فيها ترنيمته اللونية ومضمونا يلامس شغاف العقل والاحساس وفضاءات الجوى الصوفي ،وفي صباح هذا اليوم وعلى طاولة الإفطار استحوذت شخصيته الجمالية على المكان الذي نقلني دون قصد إلى بطولة الحرف واللون والجمال مع رائحة القهوة التي ختمنا فيها افطارنا ، ليس السؤال هنا (ماذا يعني أن يُهديك الدكتور إياد الحسيني إحدى لوحاته؟)سؤال امتلاك واقتناء، بل سؤال انطلاق و دخول واطلالة على عالم من التأمل ،دخول إلى فلك من الجمال لا يعطي ارقام دخوله السرية إلا لمن يُدرك أن اللوحة عند إياد الحسيني ليست تركيبة لونية لها بوصلة فقط بل كينونة فكرية وروحية، وأن الإهداء ليس فعل كرم شخصي فحسب فهو فعلٌ يتجاوز منطق التبادل ،فالفلسفة ومنذ مارسيل موس(عالم الاجتماع الفرنسي وصاحب كتاب ...مقال في الهبة) تنبّهت إلى أن الهدية ليست بريئة ولا مجانية تمامًا، لكنها أيضًا ليست صفقة ،إنها منطقة وسطى بين الأخلاق والاقتصاد، بين الحرية والالتزام ،حين تُهدى هدية ذات قيمة فإنها تُنشئ دٓينًا غير قابل للسداد الكامل، دينًا لا يُقاس بثمن بل بالذاكرة وباستمرار العلاقة ولهذا تكون الهدية أثقل من ثمنها لأنها تضع المتلقي في مقام المسؤولية لا مقام الاستهلاك ،أن يُهديك إياد الحسيني لوحة، فهذا يعني أولًا أنه يراك قادرًا على المكوث والاستيطان في المنطقة الاعرافية بين الحرف واخيه ضمن بوصلة يحركها المضمون المكتنز جمالا وروحا دفاقة ، لأنك عندما تقف وقفة المتأمل بلوحته حتما انك ستنتظر ان يقفز معنى أو لونا من احد اركان اللوحة ليتحول الى متن في حياتك ، لوحته اختبار بصريّ ووجدانيّ؛ امتحان صامت يشبه سيل التجارب والمواقف والتحديات التي زينت حياة الحسيني نفسه ،وهو يزاوج بذلك بين عالم الخط بما فيه من قداسة وانضباط وبين نظام الرسم بوصفه خارطة مفتوحة ليس فيها رائحة الحدود ، ان يهديك الحسيني لوحة هذا يعني انه اطلعك على اسئلته واجوبته مع فضاءات الوعي والمزاج الذي ساهم بتشكيل ذائقته وحركة فرشاته وهمس الوانه عندما تمتد على سطح لوحته ، الاهداء هنا اعتراف ضمني بأنك تستطيع قراءة كل الاختلاجات التي انتابته أثناء ولادة فكرة اللوحة ،
أن تُهدى اليوم لوحة من إياد الحسيني يعني أنك تتسلّم قطعة من زمنٍ مركب فيه اكثر من متن واكثر من هامش ومساحات شاسعة من الضوء حتى والعتمة ،وفي مستوى أعمق فإن الإهداء هو مسؤولية مضاعفة ، لأن أعمال إياد الحسيني ليست سهلة المنال حيازة أو فهما فهي لا تستقر بل تتحرك في كل الاتجاهات ،تجد الغمام الشفيف الى جنب التوصيف حيال الارواح الآسنة الى الفضاء المفتوح والتركيبة اللونية في قالب تصميمي يعلمك دقة السياق وما تعنيه النظرة إلى ضفاف دجلة لحظات الفجر الأولى ، باختصار الإهداء ليس امتلاك لوحة، بل نافذة تأمل جديدة تضاف الى نوافذك ،نافذة تفتح لك عوالم من الضوء والجمال والاحساس والترقب والبوح الآسر ،شكرا من القلب أيها الحسيني العابق بالجمال.