🛑فرجال... news
بقلم:د.رعدهادي جبارة
باحث في العلاقات الدولية ودبلوماسي سابق
في ظل التصعيد المتسارع بين إيران والولايات المتحدة، يطفو سؤال جوهري على سطح التحليل السياسي: هل نحن أمام مواجهة حتمية؟! أم أمام صراع يُدار بدقة على حافة الهاوية؟! للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تفكيك حسابات اللحظة الراهنة، بعيدًا عن الإرث التاريخي الذي بات، رغم أهميته، أقل قدرة على تفسير سلوك الطرفين اليوم.
🔵أولًا:الحسابات الأمريكية:إدارة المخاطر لاخوض الحروب
تتعامل واشنطن مع التصعيد الحالي بعقلية إدارة المخاطر أكثر من السعي إلى الحسم العسكري. فالخبرة المتراكمة من حروب الشرق الأوسط، و الانقسام الداخلي، وضغط الرأي العام، كلها عوامل تجعل خيار الحرب الشاملة مع إيران غير جذاب سياسيًا ولا مضمون النتائج عسكريًا.
الولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع إيران لن تكون قصيرة أو منخفضة الكلفة، وأن السيطرة على تداعياتها الإقليمية ستكون غيرممكنة. لذلك تميل استراتيجيتها إلى:
🔹️توجيه ضربات ردعية محدودةعن بُعد.
🔹️استخدام العقوبات والضغط السياسي
🔹️الاعتماد على الحلفاءالإقليميين دون الانجرارإلى حرب مفتوحة
غير أن هذه المقاربة، رغم عقلانيتها الظاهرة، تحمل في طياتها مخاطر كامنة، إذ أن الضربات “المحدودة” قد تُساء قراءتها، أو تفرض على الطرف الآخر ردًا يتجاوز السقف المتوقع.
🔵ثانيًا:الحسابات الإيرانية:الردع الشبكي وتوسيع الكلفة
في المقابل، تنطلق إيران من قناعة مفادها أن منع الحرب لا يتم عبر التهدئة، بل عبر رفع كلفتها المحتملة إلى مستوى لا يمكن تحمّله. لذلك بنت استراتيجيتها الدفاعية على مزيج من:
■القدرات الصاروخية
■الانتشار الإقليمي غير المباشر
■القدرة على تعطيل مصالح الخصوم في أكثر من ساحة
إيران لا تسعى، وفق هذا المنطق، إلى المواجهة المباشرة، لكنها ترفض أن تُحصر في موقع المتلقي للضربات.و من هنا يأتي خطابها الحاد تجاه أي دولة أو جهة تُسهّل استهدافها[آذربيجان-الخليج]، في محاولة لرسم شبكة ردع واسعة تتجاوز الثنائية التقليدية.
🔵ثالثًا:مسارح الاحتكاك واحتمالات الانفجار
المواجهة الراهنة لا تدور في فراغ، بل عبر مسارح متعددة:
🔹️في العراق وسوريا: احتكاك دائم بين القوات الأمريكية وحلفاء إيران
🔹️في لبنان: توازن ردع هش قابل للاختلال،وقصف إسرائيلي شبه يومي
🔹️في البحر الأحمر والخليج: تهديد مباشر للملاحة وأمن الطاقة
🔹️في القوقاز: رسائل ردع جديدة خارج الإطار التقليدي
تعدُّد هذه المسارح يزيد من خطر الخطأ في الحسابات، حيث قد يتحول حادث موضعي إلى شرارة تصعيد أوسع ومواجهة غير محسوبةالنتائج تحرق الاخضر واليابس.
🔵رابعًا:مآلات الصدام:سيناريوهات مفتوحة
يمكن تصور أربعة مآلات رئيسية:
1.استمرار إدارة الصراع دون انفجار، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير
2.تصعيد محدود ومضبوط، تُستخدم فيه القوة لإعادة رسم خطوط الردع
3.انزلاق غير مقصود إلى مواجهة أوسع نتيجة سوء تقدير
4.إعادة إنتاج قواعد اشتباك جديدة بعد صدمة كبرى
الخطر الحقيقي لا يكمن في السيناريوهات المتعمدة، بل في تلك التي تولد من تراكُم الأحداث أو تنزلق إليها دون قرار واضح بالحرب.
🔵الخاتمة:
المواجهة الوشيكة بين إيران والولايات المتحدة ليست صراع إرادات فقط، بل صراع إدارة أخطاء. فكل طرف يعتقد أنه قادر على التحكم بسقف التصعيد، بينما تشير الوقائع إلى أن هامش الخطأ يتسع مع كل جولة تهديد جديدة. وفي منطقة مثقلة بالأزمات، كبرميل بارود قد لا تكون الحرب خيارًا، لكنها تظل احتمالًا قائمًا… كلما طال الوقوف على الحافة.لكنها لو وقعت فستكون مدمرة جداً وعنيفة للغاية.
(ولَتعلَمُنّ نبأه بعد حين)