🛑فرجال... news
لم أكن أتوقع أن ضوء المصباح الذي في موبايلي سيكون سببا لولادة مقال يتحدث عن الضوء،ولكن هذا هو ما حصل بالفعل فعندما ينطفيء التيار الكهربائي ستهرع باحثا عن مصدر ضوء يقاوم سلطة الظلام ،ولم يكن هناك أقرب من الموبايل لينقذك بعد الذهاب الى أيقونة المصباح ناقرا أياها المكان ،هذا الموقف جعلني اتسائل عن فلسفة الضوء وهل بالإمكان أن نحمل معنا كيسا من الضوء على الدوام ؟ ولي ان اجيب على نحو فيه شيء من التفصيل، ليس الضوء الذي يحمله الإنسان في داخله عنصرًا رمزيًا عابرًا أو زينةً أخلاقية تُستدعى عند الحاجة، بل هو محدِّدٌ جوهريٌّ لطريقة الوجود في العالم، يمكن القول إن في جيب كل فردٍ كيسًا من الضوء، قد لا يكون مرئيًا للعين لكنه فاعلٌ في توجيه المسار وفي تشكيل زاوية النظر إلى الذات والآخر والواقع، هذا الضوء لا يعبّر عمّا هو كائن فحسب بل عمّا ينبغي أن يكون فالضوء الذي نختاره ليس تفصيلًا ثانويًا في حياتنا اليومية بل قرارًا وجوديًا سابقًا على المواقف والاختيارات، إن حمل الضوء يعني أننا حسمنا ـ ولو ضمنيًا ـ كيف سنفهم العالم وبأي معيار سنُقاس داخله ومن هنا يبرز السؤال الإشكالي الذي لا يرتاح له الواقع المعاصر: ما طبيعة هذا الضوء الذي نحمله؟ ولي هنا ان أقول يمكن التمييز،د فلسفيًا وأخلاقيًا بين نوعين من الضوء:
الأول :ضوءٍ سماويٍّ يشبه الفجر في هدوئه وكشفه، والثاني :ضوءٍ أرضيٍّ يشبه واجهات السوق في لمعانه وبهرجته، الأول لا يفرض نفسه بالصخب بل يفرض حضوره بالمعنى فهو لا يشتري الولاءات ولا يساوم على القيم بل يحرّر البصيرة ويعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وذاته، فكلما اقترب الإنسان من هذا الضوء تراجعت مركزيته الذاتية واتّسعت إنسانيته،في المقابل يظهر الضوء الأرضي بوصفه ضوءًا جذّابًا وسريع التأثير لكنه لا يدل على طريق بقدر ما يدل على سوق، إنه ضوء لا يسأل الإنسان عمّا يكون بل عمّا يملك ،وبهذا الضوء تحوّلت الأشياء من وسائل في خدمة الإنسان إلى غايات تُستعبد بها روحه وتحولت النِّعم إلى بوصلة والاستهلاك إلى قبلة والنجاح إلى رقم ، هذا التحول لم يكن بلا ثمن فقد صار بعض الناس يحملون نورهم ويمشون به في الفضاء العام، فتشعر به الأمكنة قبل الوجوه بينما يختار آخرون دفن هذا الضوء في أعماقهم لا خوفًا من انطفائه بل خشية أن يكشف تناقضاتهم أو يفضح مساوماتهم الصامتة مع الواقع ، وهنا تتجلى المأساة المعاصرة: ليس في غياب ضوء الله عن الحياة بل في إقصائه المتعمّد لأنه مزعج للصفقات الصغيرة وقاسٍ على الأكاذيب الناعمة التي يقوم عليها اقتصاد الوهم ، لقد استُبدل الضوء الذي يزن الأشياء بالقيم بأضواءٍ تزن الإنسان بالأرقام وبذلك تغيّرت وجهة البوصلة، صرنا نميل حيث تميل الأرباح ونصلي حيث يشير الإعلان حتى أصبح السوق إمامًا غير معلن والربح تفسيرًا وحيدًا للنجاة ومع ذلك لا يمكن القول إن الأفق قد أُغلق تمامًا فما زال في الجيوب متّسعٌ لضوءٍ آخر ضوءٍ لا يُشترى ولا يُباع ولا يُستخدم للهيمنة أو التزييف ،ضوءٌ إذا أُخرج إلى العلن لا يضيء لصاحبه وحده بل يربك الظلام من حوله ويكشف هشاشته
من هنا لا يكون السؤال الحقيقي عمّا إذا كنا نملك ضوءًا بل عمّا إذا كنا نمتلك الشجاعة لإظهاره وتحمل كلفة أن نكون مرئيين أمام الحق في عالمٍ اعتاد أن يربح من العتمة أكثر مما يحتمل نور الحقيقة.