🛑فرجال... news
د. طالب محمد كريم
حين تتحول المخالفات الدستورية إلى سلوك اعتيادي، تبدأ الدولة بفقدان معناها… هذا مقال عن أزمة الثقة قبل أزمة السياسة.
لا تُقاس قوة الدول بعدد مؤسساتها ولا بحجم قوانينها، بل بعمق العلاقة التي تربطها بمجتمعها. فالدولة، في معناها الحقيقي، ليست مجرد جهاز إداري أو سلطة سياسية، بل هي التعبير الأعلى عن انتظام المجتمع وثقته بذاته ومستقبله. وفي المقابل، لا يكون المجتمع حيّاً وفاعلاً إلا بقدر ما يشعر بأن الدولة تمثله وتحمي مصالحه وتكفل له العدالة.
بين الطرفين، تقوم علاقة دقيقة، تشبه عقداً غير مكتوب، محفوظاً في وعي الناس وذاكرتهم قبل أن يكون في النصوص الدستورية. هذا العقد يتشكل من الثقة، ومن الإحساس بالإنصاف، ومن التجربة اليومية مع المؤسسات. وحين يختل هذا العقد، تبدأ الدولة بفقدان معناها، ويبدأ المجتمع بالانسحاب من المجال العام.
في تجارب دولية عديدة، أثبت التاريخ الحديث أن الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تفعل ذلك بالقوة وحدها، بل بإعادة بناء الثقة. فدول مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وكوريا الجنوبية بعد عقود من الاضطراب، ورواندا بعد الإبادة الجماعية، لم تبدأ نهوضها من الاقتصاد أو الأمن، بل من إصلاح المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وبناء عقد اجتماعي جديد يربط المواطن بالدولة.
في المقابل، تُظهر تجارب أخرى أن استمرار الاختلال بين الدولة والمجتمع يقود حتماً إلى التآكل التدريجي، حيث تتحول المؤسسات إلى أدوات صراع، وتفقد السياسة معناها التنموي، وتصبح الدولة رهينة الأزمات المزمنة.
في الحالة العراقية، تتجلى أزمة العلاقة بين الدولة والمجتمع بصورة مركبة. فالدولة تمتلك دستوراً ومؤسسات وانتخابات، لكنها تعاني من ضعف التطبيق، وانتقائية القانون، وتداخل السياسة مع الإدارة، وتقديم المصالح على الوظيفة العامة.
ويبرز هنا مثال دالّ على هذا الخلل، حين مضت فترات طويلة دون أن ينجح مجلس النواب في إنجاز استحقاق اختيار رئيس الجمهورية ضمن التوقيتات الدستورية المحددة. ورغم تنبيه مجلس القضاء الأعلى إلى ضرورة التزام القوى السياسية بالمواعيد التي رسمها الدستور، فإن هذا التنبيه لم يُترجم إلى التزام فعلي.
ودلالة هذا المشهد لا تكمن في التعطيل بحد ذاته فقط، بل في طابعه المتكرر، وفي كون القضاء نفسه بدا وكأنه يستبق عدم التزام الكتل السياسية بالتوقيتات، حين شعر بالحاجة إلى التذكير المسبق بها. وهذا يعني أن خرق الدستور لم يعد استثناءً طارئاً، بل أصبح سلوكاً متوقعاً داخل العملية السياسية.
ومع كل خرق من هذا النوع، تتلقى الثقة العامة ضربة جديدة. فحين يرى المواطن أن النصوص الدستورية تُعطَّل عند التعارض مع المصالح، يفقد إحساسه بعدالة النظام، ويتراجع إيمانه بجدوى المشاركة السياسية.
تزامن ذلك مع تصاعد ديموغرافي مستمر، حيث تتزايد أعداد الشباب سنوياً في ظل انحسار فرص العمل، وضعف القطاع الخاص، واعتماد الاقتصاد على الريع. هذه المعادلة الخطرة تُنتج توترات اجتماعية وثقافية عميقة: تراجع قيمة التعليم، انتشار ثقافة الهجرة، تصاعد الاقتصاد غير الرسمي، وتآكل الثقة بالمسار المهني والمؤسسي.
ومع الوقت، لا تبقى هذه الأزمات في المجال الاقتصادي فقط، بل تتحول إلى أنماط سلوكية وثقافية: ضعف الانتماء العام، تنامي النزعات الفردية، تراجع قيم العمل الجماعي، وانتشار منطق (النجاة الفردية) بدل (المصلحة المشتركة).
في الوقت نفسه، لا يمكن عزل الأزمة الداخلية عن السياق الإقليمي والدولي. فالعراق يعيش داخل نظام عالمي مضطرب: أزمات طاقة، تقلبات اقتصادية، صراعات جيوسياسية، وتحولات في سلاسل التوريد، وكلها تضغط على الاقتصاد الوطني وتقلّص هامش المناورة.
كما أن التنافس الإقليمي والدولي يجعل الدولة عرضة لتأثيرات خارجية متشابكة، تؤثر في خياراتها الاقتصادية والسياسية، وتحدّ أحياناً من استقلال قرارها التنموي.
وسط هذا المشهد، يصبح الخطر الحقيقي ليس في أزمة واحدة، بل في تراكم الأزمات دون أفق حل واضح. فالدول لا تنهار عادة بضربة واحدة، بل بالتآكل البطيء للثقة، وتحوّل الاختلال إلى وضع طبيعي.
غير أن المستقبل ليس قدراً مغلقاً. فالتجارب الدولية تؤكد أن مسارات الانحدار يمكن عكسها، إذا توفرت إرادة إصلاح حقيقية، تبدأ من احترام الدستور، واستقلال القضاء، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، وبناء اقتصاد منتج، واستثمار الطاقات الشابة.
إن استعادة التوازن بين الدولة والمجتمع لا تمر عبر الخطابات، بل عبر سياسات ملموسة: قانون يُطبق على الجميع، إدارة مهنية، فرص عمل حقيقية، تعليم نوعي، وإشراك فعلي للمجتمع في صنع القرار.
فالدولة التي لا تحترم توقيتاتها الدستورية، تفقد تدريجياً قدرتها على إدارة مستقبلها. والمجتمع الذي يرى الدستور معطّلاً، يبحث عن بدائل خارج الدولة.
بين هذين الخطرين، يقف العراق اليوم أمام سؤال تاريخي: هل يتحول إلى دولة مؤسسات، أم يبقى أسير التسويات المؤقتة؟
الجواب لا يُكتب في البيانات، بل في القرارات.