🛑فرجال... news
قبل نحو عام، وفي سياق تأملي في مسألة التنوير الديني وعلاقته بالاستشراق، كتبتُ ملاحظة بدت لي آنذاك أقرب إلى سؤال معرفي مفتوح منها إلى حكم نهائي ، قلتُ إن المسار الطويل للكتابات الغربية عن الإسلام يبدأ – على نحو رمزي – منذ اللحظة التي كتب فيها يوحنا الدمشقي نقده الشهير للإسلام في القرن الثامن الميلادي، ويمتد عبر قرون طويلة حتى تشكّل الاستشراق في القرن الثامن عشر بوصفه حقلاً معرفياً قائماً بذاته داخل الجامعات الأوروبية ،وخلال هذه المسافة الزمنية الواسعة لم تتوقف المسيحية الغربية – بمؤسساتها الدينية والفكرية – عن إنتاج صور وتمثلات متعددة عن الإسلام، تراوحت بين السجال اللاهوتي المباشر والتحليل التاريخي والدراسة اللغوية والبحث الأنثروبولوجي ، غير أن السؤال الذي ظلّ يلحّ عليّ آنذاك لم يكن متعلقاً بوجود هذا التراث من عدمه بل بطبيعته وحدوده:
((إلى أي مدى يمكن اعتبار هذا النتاج الاستشراقي معرفة موضوعية بالإسلام؟ وأين تبدأ حدوده المعرفية وأين تنتهي؟ وهل كان الاستشراق في جزء كبير من تاريخه إنتاجاً معرفياً بالمعنى الدقيق للكلمة أم أنه كان في جوهره امتداداً لسجال لاهوتي طويل تحكمه روح المواجهة الدينية بين عالمين؟))
هذا السؤال ليس جديداً بالطبع فقد شغل عدداً كبيراً من الباحثين منذ أن طرح إدوارد سعيد نقده الشهير للاستشراق بوصفه خطاباً معرفياً متشابكاً مع السلطة والهيمنة لكن ما كان يهمني في تلك اللحظة هو النظر إلى الاستشراق بوصفه بنية فكرية تشكلت في فضاء حضاري ظلّ يرى في الإسلام منذ لحظة ظهوره منافساً دينياً وتاريخياً وثقافياً ولذلك فإن كثيراً من الكتابات التي أنتجتها النخب الفكرية الغربية – على الرغم من قيمتها العلمية في بعض الأحيان – لم تكن دائماً بريئة من هذا الإرث الجدلي الذي تشكل في قلب اللاهوت المسيحي الوسيط ، لقد بدأ هذا السجال مبكراً جداً ،فالنقد الذي كتبه يوحنا الدمشقي لم يكن مجرد دراسة في دين جديد ظهر في الجزيرة العربية، بل كان جزءاً من دفاع لاهوتي عن العقيدة المسيحية في مواجهة ما اعتبره خصماً عقائدياً صاعداً ،ومنذ تلك اللحظة أخذت صورة الإسلام في المخيال الغربي تتشكل داخل إطار جدلي يختلط فيه الديني بالسياسي والتاريخي باللاهوتي ، ومع مرور القرون ومع انتقال أوروبا من العصور الوسطى إلى الحداثة بدا أن هذا السجال يتحول تدريجياً إلى معرفة مؤسسية، ظهرت الجامعات وتأسست أقسام اللغات الشرقية وبدأت الدراسات الفيلولوجية والتاريخية للنصوص الإسلامية، لكن السؤال ظل قائماً: هل نجحت هذه النقلة في تحرير المعرفة عن الإسلام من إرث الخصومة اللاهوتية القديمة أم أنها أعادت إنتاجها في صيغة أكثر حداثة وعلمنة؟ في لحظات كثيرة من التاريخ بدا وكأن المعرفة قد انتصرت، فقد قدم عدد من المستشرقين دراسات عميقة وذات قيمة حقيقية في اللغة والتاريخ والفقه الإسلامي، غير أن لحظات أخرى كشفت أن هذا الخطاب المعرفي لم يكن منفصلاً تماماً عن سياقاته السياسية والدينية وأنه ظل – بدرجات متفاوتة – جزءاً من شبكة أوسع من التصورات الحضارية التي ترى في الشرق عموماً وفي الإسلام خصوصاً موضوعاً للمعرفة من جهة وميداناً للمواجهة من جهة أخرى ، غير أن ما يجري اليوم في العالم يعيد هذا السؤال إلى الواجهة بقوة أكبر، فالحرب الظالمة التي تُشن على الجمهورية الإسلامية الإيرانية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما – غربياً وعربياً – تكشف بوضوح أن الدين لم يختفِ من خلفية الصراع كما كان يُقال طويلاً في أدبيات الحداثة السياسية، بل إن كثيراً من التصريحات الصادرة عن قادة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني – الصريحة منها والمواربة – تعيد صياغة الصراع بلغة تكاد تكون لاهوتية تُستحضر فيها مفردات الخير والشر والنور والظلام والحضارة والهمجية ، إن ما يحدث اليوم يعيد طرح السؤال الذي بدا لبعضهم أنه قد حُسم: هل كان الاستشراق معرفة خالصة أم أنه كان في جزء كبير منه امتداداً لصراع ديني طويل؟ حين ننظر إلى الخطاب السياسي والإعلامي الذي يرافق هذه الحروب، وإلى الطريقة التي يُصوَّر بها الإسلام في كثير من دوائر القرار الغربي، يبدو أن الحدود بين المعرفة والخصومة لم تكن واضحة تماماً كما كان يُظن ، لقد بشّرت الحداثة الأوروبية طويلاً بأنها نقلت العالم من زمن الحروب الدينية إلى زمن السياسة العقلانية والمصالح الباردة، لكن الواقع المعاصر يكشف أن الدين لم يغادر مسرح التاريخ بل أعاد ارتداء أشكال جديدة وأن كثيراً من الصراعات التي تبدو سياسية في ظاهرها تخفي في أعماقها رواسب لاهوتية وثقافية عميقة ، ومن هنا فإن إعادة قراءة التراث الاستشراقي اليوم لم تعد مجرد تمرين أكاديمي في تاريخ الأفكار، بل صارت ضرورة لفهم البنية العميقة للخطاب الغربي عن الإسلام ، فالسؤال لم يعد فقط: ماذا كتب المستشرقون عن الإسلام؟ بل: أيُّ صورة عن الإسلام ساهم هذا التراث في ترسيخها داخل الوعي الغربي؟ وإلى أي مدى ما تزال تلك الصورة تؤثر في السياسات والصراعات التي نشهدها اليوم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد لا تكون سهلة لكنها تبدأ بالاعتراف بأن المعرفة – مهما ادّعت الحياد – لا تُنتَج في فراغ فهي دائماً ابنة سياقاتها التاريخية ومحمّلة بظلال الصراعات التي نشأت في قلبها، وربما لهذا السبب يبدو أن الطريق إلى معرفة أكثر عدلاً بالإسلام لا يمر فقط عبر تصحيح المعلومات، بل عبر تفكيك البنية العميقة للخطاب الذي أنتج تلك الصور منذ أكثر من ألف عام ، فما بين نقد يوحنا الدمشقي في القرن الثامن، وخطابات الحرب التي نسمعها اليوم، يمتد خيط طويل من التصورات والتمثلات ، وقد يكون فهم هذا الخيط هو الخطوة الأولى لفهم كثير مما يحدث في عالمنا المعاصر.