🛑فرجال... news
قراءة تحليلية..
في حال تحولت المواجهة العسكرية في المنطقة إلى حرب مفتوحة، ونجحت إيران في إغلاق مضيق هرمز وإدارته وعسكريًا لمدة شهر كامل مع استمرار الضربات المتبادلة، فإن العالم قد يواجه واحدًا من أخطر السيناريوهات الجيوسياسية في العصر الحديث.
فالمسألة لا تتعلق بممر بحري فحسب، بل بشريان الطاقة الأهم في الاقتصاد العالمي.
أولًا: صدمة الطاقة وانعكاسها على الاقتصاد العالمي
يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي نحو 20% من الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال.
إغلاق المضيق لمدة شهر سيُحدث صدمة طاقة غير مسبوقة. فمن المرجح أن ترتفع أسعار النفط بسرعة إلى مستويات قد تتجاوز 200 أو حتى 300 دولار للبرميل، وهي قفزة تفوق في تأثيرها صدمة النفط عام 1973 بأضعاف.
كما أن الاحتياطيات الاستراتيجية لدى الدول الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة، قد لا تكفي إلا لأسابيع محدودة في حال استمرار الانقطاع. ومع اختفاء هذا الحجم الضخم من الإمدادات من السوق، ستواجه الاقتصادات الصناعية الكبرى اضطرابات حادة وربما شللاً جزئيًا.
الدول الآسيوية الكبرى مثل الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على نفط الخليج، ستكون الأكثر تأثرًا. أما أوروبا، التي تعاني أساسًا من هشاشة سوق الطاقة بعد أزمات السنوات الماضية، فقد تواجه بدورها اضطرابات حادة في سوق الغاز والطاقة.
وفي ظل هذه الصدمة، ستتعرض الأسواق المالية والبورصات العالمية لهزات قوية، وقد يدخل الاقتصاد العالمي في موجة ركود جديدة.
ثانيًا: اختبار الردع الأمريكي في الخليج
إذا استمرت الهجمات على القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج — في قطر والبحرين والكويت والإمارات — دون قدرة واشنطن على وقفها بشكل حاسم، فإن ذلك سيشكل اختبارًا حقيقيًا لمفهوم الردع الأمريكي في المنطقة.
استمرار الاستهداف قد يؤدي إلى تقليص فعالية بعض القواعد العسكرية أو إجبار القوات الأمريكية على العمل من مسافات أبعد، سواء من قواعد بعيدة أو من حاملات الطائرات في بحر العرب والمحيط الهندي. وهذا يعني ارتفاع كلفة العمليات العسكرية وتراجع سرعة الاستجابة.
في الوقت نفسه، قد ينعكس طول أمد الحرب على الرأي العام الأمريكي، الذي أظهر خلال العقود الماضية حساسية متزايدة تجاه الحروب الطويلة في الشرق الأوسط، كما حدث في العراق وأفغانستان.
ثالثًا: الاستنزاف العسكري وتأثير الحرب الصاروخية
تعتمد أنظمة الدفاع الجوي المتطورة في المنطقة — بما فيها المنظومات الإسرائيلية والأمريكية — على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة. إلا أن هذه الأنظمة صُممت أساسًا للتعامل مع هجمات محدودة أو قصيرة الأمد.
في سيناريو قصف صاروخي مكثف ومستمر لمدة شهر أو أكثر، قد تظهر مشكلة الاستنزاف اللوجستي والاقتصادي. فتكلفة الصواريخ الاعتراضية غالبًا ما تكون أعلى بكثير من تكلفة الصواريخ المهاجمة، ما يجعل المعادلة المالية للحرب مرهقة مع مرور الوقت.
كما أن استمرار القصف لفترة طويلة قد يؤدي إلى اضطراب الحياة الاقتصادية والمدنية، خصوصًا في الدول الصغيرة ذات الكثافة السكانية والبنية التحتية الحساسة.
رابعًا: تحولات محتملة في ميزان القوى العالمي
في حال استمر هذا السيناريو شهرًا كاملًا دون حسم واضح، فإن تداعياته قد تتجاوز حدود الحرب نفسها لتصل إلى إعادة تشكيل بعض معادلات النظام الدولي.
فمن جهة، قد يظهر النظام الإيراني داخليًا بمظهر الصامد أمام ضغوط عسكرية كبرى، ما قد ينعكس على تماسكه الداخلي على المدى القصير.
ومن جهة أخرى، قد تدفع الصدمة الأمنية والاقتصادية بعض دول المنطقة إلى إعادة تقييم تحالفاتها الإقليمية وخياراتها الاستراتيجية، وربما البحث عن توازنات جديدة في علاقاتها الدولية.
أما على المستوى العالمي، فقد تستغل قوى كبرى أخرى مثل الصين وروسيا أي تراجع في النفوذ الأمريكي لتعزيز حضورها في مناطق مختلفة من العالم.
خاتمة
إن إغلاق مضيق هرمز لمدة شهر في ظل حرب إقليمية واسعة لن يكون مجرد أزمة عسكرية أو اقتصادية عابرة، بل قد يمثل لحظة مفصلية في الجغرافيا السياسية العالمية.
فالنتيجة المحتملة ليست بالضرورة نصرًا واضحًا لأي طرف، بل دخول المنطقة والعالم في مرحلة جديدة من التوتر وعدم اليقين، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الصراعات العسكرية، وتتغير موازين القوى بشكل تدريجي.
وفي مثل هذا السيناريو، قد يكون الخاسر الأكبر هو الاستقرار العالمي والاقتصاد الدولي، بينما يبقى العالم أمام واقع جيوسياسي أكثر تعقيدًا مما كان عليه قبل اندلاع الحرب.