🛑فرجال... news
د. ناجي الفتلاوي
لم اكتب هذا المقال بوصفي منتميا الى شبكة الإعلام العراقي والتي تعد العراقية الإخبارية مفصلها الاهم بل بوصفي متابعا للمنهجية الاعلامية العربية عموما ازآء الحرب الدائرة بين أميركا واسرائيل من جهة والجمهورية الإسلامية الايرانية من جهة اخرى،الكل يعرف أن في الحروب الكبرى لا تكون الجبهات على الأرض وحدها بل تمتد إلى الشاشات إلى غرف الأخبار الى العوالم الرقمية على اختلاف مسمياتها إلى العناوين التي تُصاغ بعناية لتقود الوعي لا لتعكسه، هناك في المسافة بين الخبر وصياغته تُبنى رواية كاملة قد توازي في تأثيرها وقع الصواريخ نفسها ، ما يجري اليوم في الحرب الضروس الدائرة يكشف بوضوح أن الإعلام لم يعد ناقلًا بل صار طرفًا بل أداةً فاعلة في إعادة تعريف الصراع وتحديد من هو المعتدي ومن هو الضحية،
و حين نقترب من أداء قناة العراقية الإخبارية نجد أنفسنا أمام نموذج يحاول—بحدوده وإمكاناته—أن يلتزم بسرد الحدث كما هو لا كما يُراد له أن يكون والعراقية الإخبارية بوصفها قناة شبه رسمية لا تنفصل عن الدولة لكنها في هذه الحرب تحديدًا قدّمت خطابًا أقرب إلى الواقعية: نقل للوقائع / متابعة لتطورات الميدان/ وتجنّب نسبي للانزلاق نحو صناعة رواية مُسبقة ، وقد لا يكون هذا الأداء مثاليًا لكنه—في ميزان المقارنة—يحافظ على حدٍّ أدنى من التوازن بين الخبر وتفسيره ، في المقابل تبدو قناة العربية وكأنها تتحرك ضمن منطق مختلف تمامًا ، منطق لا يكتفي بانتقاء الخبر بل يعيد تشكيله بما يتناسب مع زاوية نظر محددة سلفًا، هنا لا يكون الانحياز مجرد ميلٍ في التغطية بل يصبح بنية متكاملة: نصف حقيقة حين يتعلق الأمر بإيران وحقيقة زائفة منتفخة حين يتعلق الأمر بأمريكا وإسرائيل ، وهنا اجد أن المسألة ليست وقوعا في خطأ مهني عابر بل في انتقائية لها بوصلة ولها محرك لا يشكل عنده قصف مدرسة تحوي مئات البنات سوى خبر عابر ، فالقناة لا تغفل الخبر بقدر ما تعيد ترتيبه وتُبرز ما يخدم السردية المتبناة وتُهمّش ما يربكها ، فهي تُقدَّم الضربات الأمريكية أو الإسرائيلية في إطار “الرد” أو “الضرورة” بينما تُقدَّم الردود الإيرانية بوصفها “تصعيدًا” أو “تهديدًا”، اللغة هنا ليست وسيلة وصف بل أداة حكم تُمرَّر عبر مفردات تبدو محايدة لكنها مشحونة بدلالات سياسية ، وهذا يقودنا إلى البعد الأعمق: التمويل والانتماء السياسي، والكل يعلم أن قناة العربية ليست كيانًا معزولًا عن سياقها بل هي جزء من منظومة إعلامية تعكس توجهات الجهة المالكة التي بات تحالفها مع الولايات المتحدة و"إسرائيل‘‘ أكثر وضوحًا وعلنية ، في هذه النقطة تحديدًا لا يعود الإعلام مجرد ناقل بل يصبح امتدادًا للسياسة يُترجم مواقفها إلى خطاب يومي متكرر حتى يتحول إلى وعي جمعي ، أما الحقيقة التي يجري الالتفاف حولها إعلاميًا، فهي أن هذه الحرب في قراءتها الواقعية لم تبدأ من فراغ ولم تكن نتيجة ردٍّ إيراني ابتدائي بل هي نتاج مسار تصعيدي بدأته الولايات المتحدة وإسرائيل وتولتا توسيعه وفق حسابات تتجاوز حدود المنطقة، هذه النقطة على وضوحها في سياق الأحداث تُعالج في بعض المنصات الإعلامية بوصفها تفصيلًا ثانويًا أو تُطمس ضمن سرديات تبريرية تُعيد ترتيب البداية والنهاية وفق مقتضيات الموقف السياسي ، في هذا المشهد تبرز المفارقة بوضوح: قناة رسمية مثل قناة العراقية الإخبارية يُفترض أنها الأقرب إلى الخطاب الحكومي مع ذلك تبدو في تغطيتها أكثر التصاقًا بالواقع بينما قناة تدّعي المهنية العابرة للحدود تمارس انتقائية حادة تُفقد الخبر توازنه، و ليست القضية هنا مفاضلة أخلاقية بقدر ما هي كشف لطبيعة الدور: من ينقل الحدث ومن يعيد إنتاجه ، إن أخطر ما في هذه الحالة ليس الكذب الصريح بل إدارة الحقيقة، أن تُقال بعض الوقائع وتُحجب أخرى و أن يُعاد ترتيب الزمن بحيث يبدو الفعل ردًّا والرد عدوانًا و أن تُمنح بعض الأطراف حق السرد الكامل بينما يُدفع الآخرون إلى هامش الخبر ، هنا يتشكل ما يمكن تسميته بـ “النفاق الإعلامي”: ليس إنكارًا للحقيقة بل تفكيكها وإعادة تركيبها بما يخدم مركز القوة ، وفي النهاية لا تكون المعركة فقط على من ينتصر في الميدان بل على من ينجح في فرض روايته .