🛑فرجال... news
يدخل الشرق الأوسط اليوم نفقاً تاريخياً مسدود النهايات حيث تتشابك فيه رائحة البارود بحسابات المصالح الاقتصادية العابرة للقارات. ومع تصفية الوجوه التي كانت تُحسب على تيار (البراغماتية) في طهران وعلى رأسهم علي لاريجاني يبدو أن صوت العقل قد أُسكت عمداً ليفسح المجال لمواجهة كسر العظم الكبرى. إن هذه اللحظة الفارقة التي تتزامن مع وصول السفن الحربية المحملة بجنود المارينز إلى مياه المنطقة ليست مجرد استعراض عسكري عابر، بل هي إعلان صريح عن بدء مرحلة تأميم القوة في مضيق هرمز، هذا الممر الذي يتأهب ليتحول من مضيق دولي تكفله الاتفاقيات التاريخية إلى قناة سويس جديدة تخضع لمنطق الجباية والاشتراطات القاسية (ادفع لكي تمر أو قف حيث أنت).إن القراءة المتأنية لعقلية ترامب وتصريحاته المتكررة حول ضرورة حشد تحالف دولي لتأمين المضيق تكشف عن استراتيجية تتجاوز فكرة الاستنجاد بالشركاء. فالمطالبة الأمريكية بالتحالف ليست سوى إلقاء للحجة التاريخية أمام العالم فواشنطن تخير القوى الكبرى اليوم بين المشاركة الفاعلة في كلفة الحماية ليبقى الممر دولياً أو ترك العبء منفرداً للولايات المتحدة التي لن تتردد حينها في فرض سلطتها المطلقة كسيد للمكان. وفي هذا السيناريو ستتحول كل سفينة تعبر المضيق إلى مصدر للدخل المباشر للخزينة الأمريكية تحت ذريعة (رسوم تأمين الملاحة) ليصبح الشرق الأوسط الجديد ساحة تُؤخذ فيها الإتاوات بشكل واضح وصريح بعيداً عن مجاملات القانون الدولي التقليدي.وتتجه الأنظار اليوم صوب (جزيرة خرج) الاستراتيجية باعتبارها حجر الزاوية في هذا المخطط الكبير فمن يسيطر على هذه الجزيرة يمتلك فعلياً مفتاح الخزينة النفطية للعالم. إن السيطرة الوشيكة على هذه النقطة الحيوية ستمثل صافرة البداية لتحويل المضيق إلى منطقة نفوذ دائمة حيث تبرز أمامنا خيارات أمريكية راديكالية لا تقبل الحلول الوسط.فالخيار الأول يذهب نحو سياسة (الأرض المحروقة) وعمليات الإنزال البري والسيطرة الأبدية على السواحل والجزر المطلة على المضيق لضمان عدم عودة أي تهديد مستقبلي. أما الخيار الثاني فيتمثل في فرض واقع التدويل القسري عبر مفاوضات تُنزع فيها سيادة طهران عن سواحلها للأبد، لقطع الطريق أمام أي محاولة لابتزاز القوى الصناعية الكبرى مرة أخرى.وفي خضم هذا الصراع الوجودي يبرز موقع العراق كلاعب لا يملك ترف الحياد. إن تشكيل أي حلف عسكري لفتح المضيق بالقوة يفرض على بغداد حضوراً حتمياً ولو بتمثيل رمزي لأن غياب العراق عن طاولة القوى الصانعة لهذا الواقع الجديد سيعني ببساطة وضعه في خانة (المتفرجين) الذين سيدفعون لاحقاً فواتير باهظة وتكاليف إضافية على كل برميل نفط يغادر موانئ البصرة. إنها معركة تحديد المصائر حيث القوة وحدها هي من يرسم حدود الجغرافيا السياسية وحيث تلاشت أوهام الصمود التي تروج لها منصات التواصل الاجتماعي ومحاولات نفخ الروح في جسد النظام الإيراني الذي فقد أغلب أوراقه ولم يتبقى له سوى ورقة المضيق التي توشك على الاحتراق.إننا أمام مشهد أفول كامل لنفوذ إقليمي دام لعقود فحتى لو وضعت الحرب أوزارها دون سقوط النظام في طهران فإنه سيخرج مثقلاً بالديون والتعويضات ومنشغلاً بترميم ما خلفته آلة الحرب من رماد ليبقى عاجزاً عن رفع رأسه لخمسين سنة قادمة. ومن أراد استشراف المستقبل فعليه أن يقرأ ما خلف سطور تصريحات قادة البنتاغون فهم الذين يمتلكون الخرائط الحقيقية بعيداً عن التضليل الإعلامي. إن الولايات المتحدة في هذه الجولة مستعدة للذهاب بالصراع إلى أقصى مدياته لضمان أن تظل شروط العبور في أهم مضائق العالم مكتوبة باللغة التي تفهمها وحدها لغة القوة، والسيطرة، والمال..
جباية هرمز.. العراق بين ..ثمن المشاركة..وضريبة الغياب.. د. ثائرة اكرم العكيدي/ كاتبة وباحثة