🛑فرجال... news
مقدمة
بحلول تاريخ (22 آذار/مارس) الماضي، يكون قد مضى على إنشاء جامعة الدول العربية (75) عامًا، وتُطلق بعض الدول على هذه الحقبة الزمنية تعبير “اليوبيل الماسي”، وهي مسيرة طويلة تتطلب من المتابعين والمهتمين وقفة للتأمل واستنباط الدروس والعبر.
وهنالك من يعتبر أن إنشاء جامعة الدول العربية قبل نظيراتها من المنظمات الإقليمية الأخرى هو في حد ذاته مدعاة للفخر، وأنّ إنشائها قبل منظمة الأمم المتحدة يضيف زخمًا آخر لهذا الشعور.
لقد كانت ظروف إنشاء الجامعة تنبع من حاجة حقيقية للتعاون بين شعوب تتحدث لغةً واحدة، ولها تاريخ وثقافة مشتركة وخريطة جغرافية متصلة، ودول استقلت حديثًا من هيمنة قوى استعمارية مختلفة.
إنّ موضوع إنشاء الجامعة شهد مشاورات بين مسؤولين من بعض الدول العربية، وانتهى الأمر بتوقيع “بروتوكول الإسكندرية” من قبل رؤساء حكومات كل من: (مصر، شرق الأردن، سورية، العراق ولبنان)، ولاحقًا وقّعت عليه كل من: (السعودية واليمن). ولتبدأ بعد ذلك اللجنة السياسية الفرعية – التي أوصى بروتوكول الإسكندرية بتشكيلها – أعمالها، وتنتهي بعد ستة عشر اجتماعًا بوضع صيغة “ميثاق جامعة الدول العربية”، الذي جرى التوقيع عليه في (22 آذار/مارس 1945م)، وأصبح ساريًا في (10 مايو/أيار 1945م) بعد توقيع اليمن عليه، ليكتمل عدد الدول السبع المؤسسة لهذه المنظمة.
وبالرغم من نجاح الجامعة في تعديل مواد مهمة في ميثاقها، كعقد القمم العربية بصفة دورية كل عام، وإنشاء برلمان عربي، والسماح بمشاركة المجتمع المدني في أعمال الدورات العادية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وطرح أفكار لم ترَ النور حتى الآن لإقامة منطقة تجارة عربية حرة، واستحداث عدد من الأجهزة والمؤسسات في إطار الجامعة كالمجلس الاقتصادي والاجتماعي، والمنظمات والاتحادات العربية، والمجالس الوزارية المتخصصة، واللجان الفنية الدائمة؛ إلاّ أنّ العمل الجماعي العربي لا يزال ينقصه الكثير من الإجراءات التي تتطلب إحداث تغييرات جوهرية في الميثاق، تنعكس بالمحصلة على فعالية العمل العربي المشترك.
ونقدّم في أدناه عرضًا مركزًا لمسيرة تطوير وتحديث جامعة الدول العربية.
محاولات تطوير وإصلاح جامعة الدول العربية وتعديل ميثاقها عبر تاريخها
شهدت جامعة الدول العربية العديد من مشاريع التطوير؛ بعضها رفع سقف الطموحات فجاء منقطعًا عن الواقع العربي، وبعضها الآخر جاء في خضم لحظات تغيّر وضغط سياسي ثم تراجع أو بقي حبيس الأرشيف.
ولا يعني ذلك أنّ الجامعة لم تشهد تطويرًا في وظائفها أو بلورة مهام جديدة، كما هو الحال في العديد من المنظمات الدولية والإقليمية فيما يعرف بـ”ثنائية تطوير المهام وخلق مهام”، إلا أن هذه الوظائف لم تعد بمستوى التحديات المتزايدة التي تواجه العمل العربي المشترك.
وقد أشار ميثاق جامعة الدول العربية في مادته العشرين إلى جواز تطويره، إذ نصّ على أنه يجوز بموافقة ثلثي الدول تعديل الميثاق، لا سيما لجعل الروابط بينها أمتن وأوثق.
ولتتبع هذه المحاولات، يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل:
أولًا: محاولات التطوير من 1945 إلى 2000
بدأ الحديث عن تطوير الجامعة بعد سنوات قليلة من نشأتها:
في (19 فبراير/شباط 1948م)، طالبت سورية بتعديل الميثاق، بحيث تمتنع الدول الأعضاء عن التفاوض أو التعاقد مع الدول الأجنبية إلا بعد التنسيق داخل الجامعة، لكن الاقتراح لم يُعتمد.
في (13 أبريل/نيسان 1950م)، أُقرت معاهدة الدفاع المشترك، والتي نصت على إلزامية قرارات مجلس الدفاع المشترك بأغلبية الثلثين، إلا أن العراق واليمن أبدتا تحفظات حالت دون تطبيقها فعليًا.
في عام 1951م، قدمت سورية مشروعًا لإنشاء اتحاد عربي تدريجي، مع اعتماد الوزن الديمغرافي في اتخاذ القرار بدل المساواة القانونية، وتقدم العراق بمبادرة مشابهة عام 1954م، لكنهما لم ينجحا.
في عامي 1955 و1956، طرحت الأمانة العامة تعديلات، منها:
إنشاء جمعية شعبية
إلزامية قرارات المجلس بالأغلبية
دعم معاهدة الدفاع المشترك
لكنها لم تحظَ بالتوافق.
في عام 1964، تقرر إنشاء “محكمة العدل العربية”، إلا أن المشروع ظل معلقًا حتى اليوم.
في قمة الرباط 1974م، طُرح تعديل الميثاق، لكن الأحداث السياسية (الحرب اللبنانية، كامب ديفيد، حرب الخليج) عطلت المسار.
تكرر طرح التعديل في قمم عدة (1979، 1980، 1982، 1989، 1990)، دون نتائج حاسمة.
في قمة القاهرة 1996، جرى التأكيد على احترام الميثاق بدل تعديله.
وفي قمة 2000، انشغل القادة بدعم انتفاضة الأقصى.
ثانيًا: محاولات التطوير من 2001 إلى 2010
في قمة عمّان 2001، بدأ الحديث عن “التطوير” بدل تعديل الميثاق.
بعد احتلال العراق 2003، ظهرت مبادرات إصلاح عديدة، تضمنت:
إنشاء برلمان عربي
مجلس أمن عربي
محكمة عدل عربية
مصرف عربي للتنمية
هيئة لمتابعة تنفيذ القرارات
واجهت هذه المقترحات تحديات:
كثرتها وتعقيدها
عدم انسجام بعضها مع الواقع السياسي
ازدواجيتها مع مؤسسات قائمة
في قمة تونس 2004، أُجلت مناقشة الإصلاح.
في قمة الجزائر 2005، جرت تعديلات مهمة، منها:
إنشاء البرلمان العربي
تعديل آليات اتخاذ القرار
تطوير المادة (7) الخاصة بالنصاب
في قمة الخرطوم 2006:
تحديد المسائل الموضوعية والإجرائية
إنشاء مجلس السلم والأمن العربي
في قمة الرياض 2007:
اعتماد القمم التشاورية
تخصيص قمم اقتصادية
في قمة دمشق 2008:
تعزيز مجلس السلم والأمن
التأكيد على حل النزاعات العربية
في قمة الدوحة 2009:
إصدار وثيقة المصالحة العربية
تفعيل آليات فض النزاعات
في قمة سرت 2010:
تشكيل لجنة خماسية لتطوير العمل العربي
طرح آلية لإدارة الخلافات العربية
تطوير سياسة الجوار العربي
استكمال إنشاء البرلمان العربي الدائم
ثالثًا: محاولات التطوير من 2011 حتى الآن
في قمة بغداد 2012:
تفويض الأمين العام نبيل العربي بإعادة هيكلة الأمانة العامة
تشكيل لجنة مستقلة برئاسة الأخضر الإبراهيمي
أصدرت اللجنة تقريرًا أكد أن الإصلاح يجب أن يكون تدريجيًا وواقعيًا.
في 2013:
تشكيل لجنة مفتوحة العضوية لإصلاح الجامعة
تقسيم العمل إلى أربعة محاور:
تعديل الميثاق
تطوير الأجهزة
العمل الاقتصادي والاجتماعي
البعد الشعبي
في قمة الدوحة 2013:
الموافقة على إنشاء المحكمة العربية لحقوق الإنسان
في 2014:
اعتماد النظام الأساسي للمحكمة
اختيار المنامة مقرًا لها
لا يزال ملف تطوير الجامعة مطروحًا بشكل دائم، بما يشمل:
مراجعة بعثات الجامعة في الخارج
تقييم فعاليتها
استمرار اجتماعات اللجان المختصة
خاتمة تنظيمية
يتضح من العرض السابق أن مسيرة تطوير جامعة الدول العربية اتسمت بالتراكم البطيء، وتداخل الطموحات مع التعقيدات السياسية، حيث ظل تعديل الميثاق هدفًا صعب التحقيق، بينما تحققت بعض الإصلاحات الجزئية.
ولا تزال مسألة تطوير الجامعة مفتوحة، وتعتمد بشكل أساسي على إرادة الدول الأعضاء وقدرتها على تجاوز الخلافات القُطرية لصالح العمل العربي المشترك.