🛑فرجال... news
9/4/2026
في الحروب الكبرى، لا تُقاس منزلة الأمم بوهج الصواريخ وحده،
بل بموضعها حين تخفت النار،
وتُفتح الأبواب،
وتُسحب الكراسي إلى موائد التفاوض.
هناك، لا في ضجيج القصف وحده،
ينكشف من بقي صاحبَ شأن،
ومن صار مجرّد شأنٍ يتداوله الآخرون.
وهذا هو الوجع العربي اليوم.
حربٌ تدور في قلب الإقليم،
وسماءٌ عربية تُخترق،
وبحارٌ عربية تُهدَّد،
ومصالحُ عربية تُساوَم،
ثم لا يكون للعرب من كل ذلك إلا حقّ الارتداد لا حقّ القرار،
ونصيبُ التأثر لا نصيبُ التأثير.
تكلّمت إيران بلسان من يرى نفسه قادرًا على فرض الشروط،
وتكلّم ترامب بلسان من يمسك بخيوط الصفقة،
أما العرب… فلم يكن لهم في المشهد إلا صمتٌ بارد،
صمتٌ لا يشبه الحكمة،
بل يشبه الغياب،
ويشبه العجز،
ويشبه ما هو أوجع من العجز: الاعتياد عليه.
الآخرون يتفاوضون… والعرب يُتفاوض عليهم
هذه هي الحقيقة حين تُنزع عنها الزينة:
الآخرون لا يتفاوضون في المنطقة فقط،
بل يتفاوضون على المنطقة.
على مضائقها،
وعلى مياهها،
وعلى قواعدها،
وعلى خرائط الردع فيها،
وعلى مستقبل النار إذا اشتعلت،
ومستقبل الهدوء إذا خمدت.
والمهين أن كل ذلك يمسّ العرب مباشرة،
بل يمسّ أمنهم وسيادتهم ومعنى حضورهم السياسي،
ثم لا يدخلون الغرفة إلا بوصفهم موضوعًا في الملف، لا أصحابًا للملف.
يُناقَش المضيق… وليس للعرب قولٌ نافذ.
وتُرسَم خرائط النفوذ… وليس للعرب مشروعٌ جامع.
وتُدار لحظة الحرب والتهدئة… وليس للعرب حتى شرف الوساطة.
وهنا لا يعود السؤال:
من تقدّم؟ ومن تراجع؟
بل يصبح السؤال الأشد مرارة:
كيف غاب العرب حتى عن حقّ الجلوس بين النار والماء؟
حتى الوساطة… لم تعد عربية
وهنا تبلغ المأساة ذروتها.
فليس أفدح من أن تغيب عن قرار الحرب،
إلا أن تغيب أيضًا عن لحظة التهدئة.
كان يُفترض أن تكون العواصم العربية، بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصلحة،
هي الممرّ الطبيعي بين الميدان والطاولة،
وهي الجسر الذي تعبر عليه الرسائل حين تعجز البنادق عن الكلام.
لكن شيئًا من ذلك لم يكن.
مرّت الحرب من فوقهم،
ومرّ التفاوض من حولهم،
ومرّت الوساطة من دونهم،
كأنهم لم يعودوا من أهل الدار،
ولا من أصحاب الجرح،
ولا حتى من حرّاس الباب.
وهكذا، لم يخسر العرب موقعهم في الصراع فحسب،
بل خسروا حتى حقّ التوسّط في صراعٍ يجري فوق رؤوسهم، وعلى حساب أوطانهم، وفي قلب مجالهم الحيوي.
العرب لم يعودوا رقمًا… بل صاروا فراغًا.
وحتى البعيدون وجدوا لأنفسهم موطئ قدمٍ في لحظة الوساطة.
أما العرب، فقد صاروا الفراغ الذي تتحرك فيه الأرقام.
هم الأرض التي تُستعمل،
والسماء التي تُخترق،
والبحر الذي يُساوَم عليه،
والسوق التي تدفع الثمن،
والشعوب التي تُطالَب في كل مرة بأن تتحمل الفاتورة،
من دون أن تُمنح حقّ كتابة السطر الأول أو الأخير.
لقد صاروا مسرحًا لا ممثلًا،
وساحةً لا صاحبَ ساحة،
ومادةً للصراع لا صانعًا له.
وهذا، في السياسة، ليس تراجعًا عابرًا،
بل هبوطٌ من مقام الفاعل إلى هامش المتلقي،
ومن منزلة المؤثر إلى مرتبة المتأثر،
ومن موضع من يُسأل إلى حال من يُبلَّغ.
سلامًا على من “كنتم خير أمة أُخرجت للناس”
سلامًا على أمةٍ
كان يُفترض أن تكون شاهدةً على العالم،
فأصبحت شاهدةً على انكسارها.
سلامًا على أمةٍ
كان يُفترض أن تكون أمةَ إصلاحٍ بين الناس،
فإذا بها اليوم تعجز حتى عن الإصلاح بين من يقتتلون فوق أرضها.
سلامًا على من نزل فيهم الوعد يومًا:
﴿كنتم خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس﴾،
لا لأنهم كانوا أكثر عددًا،
ولا لأنهم كانوا أوسع سلطانًا،
بل لأنهم كانوا ــ في أصل الرسالة ــ أهل معنى، وأصحاب مبدأ، وحَمَلة ميزان.
كان يُفترض أن يكونوا أصحاب كلمة،
فإذا بالكلمات تُقال عنهم.
وكان يُفترض أن يكونوا أهل وساطة وهيبة وشهادة،
فإذا بهم اليوم لا يملكون حتى أن يطفئوا النار عن سقف بيتهم.
سلامًا على أمةٍ
لم تُهزم فقط حين تفرّق سيفها،
بل هُزمت يوم انكسر معناها،
وخفت صوتها،
وضاع مقصدها،
وتحوّلت من أمةٍ تُخرج الناس من الظلمات إلى النور
إلى أمةٍ تتلمّس لنفسها بصيص نجاةٍ في عتمة الآخرين.
سلامًا على أمةٍ
لم يعد يُسأل فيها: ماذا تريد؟
بل صار سؤالها الحزين:
ماذا سيفعل بنا الآخرون؟
الفضيحة ليست في قوة الآخرين،
فالسياسة لا تعرف الرحمة،
والدول لا تتحرك إلا بما تملك من نفوذ، وما تفرضه من وقائع.
لكن الفضيحة كل الفضيحة،
أن يكون كل شيء عربيًا…
ثم لا تكون الكلمة عربية.
الماء عربي،
والسماء عربية،
والخطر عربي،
والخسائر عربية،
والارتدادات عربية…
إلا القرار.
وهذا هو الوجع الأكبر:
أن العرب لم يعودوا خارج المعادلة فقط…
بل صاروا الصفر الذي تُبنى عليه حسابات الآخرين.