🛑فرجال... news
تُجمِع قراءة تحليلية صادرة عن مجلس تحرير صحيفة نيويورك تايمز على أن السياسات التي انتهجها دونالد ترامب خلال المرحلة الأخيرة من التصعيد العسكري، أسهمت بشكل مباشر في إضعاف موقع الولايات المتحدة استراتيجيًا وسياسيًا. ويمكن تفكيك هذا التراجع عبر أربعة محاور رئيسية:
أولًا: غياب التخطيط الاستراتيجي وتجاوز المؤسسات
تشير القراءة إلى أن القرار العسكري اتُّخذ دون الرجوع إلى الكونغرس الأمريكي أو التنسيق مع الحلفاء، ودون تهيئة الرأي العام الأمريكي لتبعات الحرب.
كما اعتمدت الإدارة على تقديرات غير دقيقة، أبرزها الرهان على اندلاع اضطرابات داخل إيران عقب الضربات، وهو ما خالف تقييمات وكالة المخابرات المركزية.
في المقابل، لم تُطرح خطط واضحة للتعامل مع تداعيات خطيرة، مثل احتمال إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا للطاقة العالمية.
وتبرز المفارقة في أن تعطيله قد يتم بوسائل محدودة الكلفة، بينما يتطلب تأمينه أو إعادة فتحه تحالفًا دوليًا واسعًا وقدرات عسكرية ضخمة، وهي شروط لا تتوافر في ظل إدارة تفتقر إلى الإجماع الدولي.
ثانيًا: استنزاف القدرات العسكرية
تُظهر المعطيات أن الولايات المتحدة استخدمت كميات كبيرة من الأسلحة المتقدمة خلال العمليات، ما أدى إلى تآكل مخزونها الاستراتيجي، وهو ما قد يستغرق سنوات لتعويضه.
كما اضطرت إلى إعادة توزيع منظوماتها الدفاعية، بما في ذلك سحب أجزاء من أنظمة الحماية من دول حليفة مثل كوريا الجنوبية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول أولويات الانتشار العسكري الأمريكي وقدرته على تغطية التزاماته العالمية.
ثالثًا: تآكل الثقة بالحلفاء وإعادة تشكيل التحالفات
أحد أخطر التداعيات يتمثل في فقدان الثقة بقيادة الولايات المتحدة لدى حلفائها التقليديين، بما في ذلك اليابان وكندا وأستراليا ودول أوروبا الغربية.
هذه الدول بدأت بالفعل بإعادة تقييم تموضعها الاستراتيجي، والسعي نحو بناء أطر تعاون دفاعي أكثر استقلالًا عن واشنطن.
في السياق ذاته، برزت مخاوف لدى دول الخليج من تراجع الالتزام الأمريكي بأمنها، ما عزز الشعور بوجود فجوة بين التعهدات الأمريكية والممارسة الفعلية.
رابعًا: تراجع القوة الناعمة وفقدان الشرعية الأخلاقية
لطالما استندت الولايات المتحدة إلى ما يُعرف بـ"القوة الناعمة"، القائمة على قيم الحرية والديمقراطية والتنافس المفتوح.
غير أن الخطاب السياسي والممارسات العسكرية الأخيرة، وفق هذا التقييم، أسهمت في تقويض هذه الصورة، خاصة في ظل اتهامات دولية بأن بعض التصريحات والسياسات تقترب من توصيفات تدخل ضمن جرائم الحرب.
هذا التحول لا يقتصر على الجانب الأخلاقي، بل يمتد إلى التأثير في جاذبية النموذج الأمريكي عالميًا، وهو ما يُعد أحد أعمدة النفوذ الاستراتيجي للولايات المتحدة.
خلاصة تحليلية
تُظهر هذه المحاور أن الإشكالية لا تكمن في قرار عسكري منفرد، بل في نمط إدارة للأزمة افتقر إلى التخطيط المؤسسي، وأضعف الثقة الدولية، واستنزف الموارد، وأضر بصورة الولايات المتحدة كقوة قيادية.
وبذلك، فإن التحدي الأكبر الذي تواجهه واشنطن لا يتمثل فقط في نتائج المواجهة، بل في إعادة بناء مصداقيتها الدولية واستعادة توازنها الاستراتيجي في عالم يتجه بسرعة نحو التعددية القطبية.