🛑فرجال...news
تعد قضية محافظ نينوى الأسبق نوفل العاكوب واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في المشهد العراقي ليس فقط بسبب حجم الانتهاكات المالية التي سجلت خلال فترة توليه المنصب بل لما يحيط بمسيرته من تساؤلات تمس الجانب الوطني والاجتماعي فقبل أن يتسلق العاكوب سلم السلطة المحلية لم يكن يتمتع برصيد سياسي أو إداري يؤهله لقيادة محافظة بحجم نينوى وتاريخها حيث تشير التقارير والشهادات المحلية إلى أنه كان يعمل في مهن متواضعة وبعيدة تماماً عن العمل الحكومي الرصين مما جعل صعوده المفاجئ لمنصب المحافظ يثير ريبة واسعة حول الآليات السياسية والصفقات التي وضعته في هذا الموقع الحساس في توقيت كانت المحافظة فيه تئن تحت وطأة الاحتلال والدمار ولم تقتصر الشكوك على شخصه فحسب بل امتدت لتشمل المحيط العائلي المقرب منه وتحديداً شقيقه الذي ارتبط اسمه بصلات مع تنظيم داعش الإرهابي وهو ما شكل طعنة في خاصرة الثقة بين الإدارة المحلية وأهالي الموصل الذين عانوا الأمرين من بطش التنظيم، وهذا التناقض الصارخ بين قيادة المحافظة وبين وجود أفراد من عائلتها في خندق الأعداء خلق فجوة أخلاقية وإدارية جعلت من فترة حكمه توصف بالارتباك والولاءات المزدوجة التي لم تكن تصب أبداً في مصلحة المواطن الموصلي.
وعند النظر إلى سنوات إدارته نجد أن الفساد المالي لم يكن مجرد مخالفات إدارية بسيطة بل تحول إلى منهجية استنزفت ميزانية إعادة الإعمار ومخصصات النازحين فبينما كانت جثث الضحايا لا تزال تحت الأنقاض في المدينة القديمة، وكانت العائلات تفترش الخيام كانت التقارير الرقابية تشير إلى اختفاء مليارات الدنانير وتحويلها إلى مشاريع وهمية وعقود صورية ولم يقدم العاكوب خلال سنواته أي خدمة حقيقية تلامس احتياجات أبناء المحافظة، فلم ترمم المستشفيات المدمرة كما يجب ولم تفتح المدارس أبوابها بكرامة بل بقيت الموصل تعاني من نقص الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء الصالح للشرب، في وقت كان فيه المحافظ وفريقه غارقين في صراعات النفوذ والمصالح الشخصية وتكديس الثروات على حساب دماء وأوجاع المنكوبين، وقد تجسد خذلانه لأهالي نينوى في أبشع صوره خلال حادثة العبارة الشهيرة التي كانت القشة التي قصمت ظهر إدارته حيث كشفت تلك الفاجعة عن مدى الإهمال والاستهتار بأرواح المواطنين مقابل الاستثمار التجاري غير القانوني.
وبالرغم من جسامة هذه الملفات، فقد واجه العاكوب أحكاماً قضائية بدأت بالسجن لمدة خمسة عشر عاماً بتهمة اختلاس مبالغ تجاوزت ثمانية وأربعين مليار دينار، بالإضافة إلى أحكام أخرى بالحبس لسنوات متفرقة تتعلق بهدر المال العام ومشاريع التنظيف الوهمية، إلا أن خبر خروجه من السجن أثار صدمة واسعة ويعود السبب القانوني في عدم بقائه لسنوات أطول إلى شموله بفقرات قانون العفو العام وتلقيه تسهيلات قانونية بعد تسديد الالتزامات المالية المترتبة عليه وإعادة المبالغ المختلسة وفق الأطر الرسمية، فضلاً عن عمليات دمج الأحكام القضائية وتكييفها قانونياً بما يقلص المدة الفعلية للمحكومية، وهو ما يفسر استغلال فريق الدفاع للثغرات الإجرائية التي تحول الجرائم من اختلاس مباشر إلى إهمال وظيفي، ليخرج في نهاية المطاف دون أن يكمل كامل مدد العقوبات النظرية، مما يترك إرثاً ثقيلاً من الفساد والخراب الإداري الذي سيتطلب سنوات طويلة لمعالجته وإعادة الثقة في مؤسسات الدولة بعد أن ضاعت حقوق المدينة في أروقة التسويات القانونية.
واخيرا أن الإفراج عن شخصية بهذا الوزن من التهم في وقت حساس لا يمكن أن يتم بمعزل عن التوازنات الحزبية خاصة وأن العاكوب خلال فترة حكمه كان يُحسب على محاور سياسية معينة وفرت له الغطاء اللازم للبقاء في المنصب رغم كل الصيحات التي تعالت ضده.
هذه القوى السياسية قد تجد في خروجه مصلحة تتعلق بملفات انتخابية أو توازنات القوى داخل نينوى، حيث يُستخدم نفوذ الشخصيات المحلية أحياناً كأدوات في الصراع السياسي بين الكتل الكبيرة.
علاوة على ذلك فإن تمرير قانون العفو العام وتكييفه ليشمل المتهمين بملفات فساد كبرى غالباً ما يكون نتاج مقايضات بين الكتل السياسية المختلفة؛ فكل طرف يسعى لتأمين خروج الشخصيات التابعة له أو التي تملك معلومات قد تضر بمصالح الحزب في حال استمر بقاؤها خلف القضبان. لذا، يُعتقد أن تسديد الأموال المختلسة لم يكن إلا ‘‘المخرج القانوني‘‘ الذي استُخدم لتبرير تسوية سياسية أوسع هدفت إلى إغلاق ملف العاكوب لضمان عدم فتح ملفات أخرى قد تطال رؤوساً أكبر في الحكومة مما يجعل إطلاق سراحه رسالة مفادها أن الولاءات الحزبية والصفقات السياسية لا تزال تملك اليد العليا فوق سلطة القانون في استرداد كامل حقوق المحافظة المنكوبة..