🛑 فرجال... news
لم يعد مستغربًا أن تُرتكب الإساءة في ثوب الغيرة، ولا أن يُستدعى الادعاء في هيئة الدفاع. فهذا المقال يأتي ردًا على موجة من الخطاب الذي يزعم الانتصار للعراقيات، بينما ينال من كرامتهن من حيث يدّعي الذود عنها. وقد تحوّلت بعض الأرقام المتداولة في فضاءات التواصل إلى ما يشبه “حقائق جاهزة”، تُلقى بلا تمحيص، وتُردَّد بلا تثبّت، وفي مقدمتها المقولة الرائجة بأن “الجيش الأمريكي اغتصب آلاف العراقيات”.
ولم تعد هذه المزاعم حبيسة المجالس أو زلات العابرين، بل تحوّلت – مع الأسف – إلى سردية رائجة تتناقلها المنصّات الرقمية، حتى كادت تُؤخذ مسلّمة لا تُراجع، وحقيقة لا تُمحّص. والخطر كل الخطر أن هذه المقولة لم تعد تُتداول في هوامش الخطاب، بل وجدت طريقها إلى ألسنة من يُفترض أنهم من أهل الثقافة والرأي، فإذا بهم – من حيث لا يشعرون أو حيث يقصدون – يُعيدون إنتاج خطابٍ يُسيء إلى العراقيات تحت لافتة نقد الولايات المتحدة الأمريكية. وهنا يتحوّل الادعاء من مجرد خطأ في التقدير، إلى مسؤولية أخلاقية مضاعفة، لأن الكلمة حين تصدر عن مثقف لا تبقى رأيًا، بل تُصبح رواية تُتداول، وسردية تُرسَّخ، ووعيًا يُعاد تشكيله على غير هدى.
نعم، وقعت الجريمة. لا مهرب من الاعتراف، ولا مبرر للتخفيف.
في المحمودية، جنوب بغداد، سُطِّرت واحدة من أبشع الجرائم في سجل الاحتلال: اغتصاب فتاة عراقية قاصر، ثم قتلها مع أفراد أسرتها في محاولة لطمس الأثر وإخفاء العار. جريمة مكتملة الأركان، موثّقة، حوكم مرتكبوها، وصدر بحقهم السجن المؤبد. إنها وصمة لا تُمحى، لكنها – رغم فداحتها – حادثة مُدانة لا سياسة مُعلنة.
وهنا بيت القصيد:
هل كانت تلك الجريمة قاعدةً أم استثناء؟ نهجًا أم انحرافًا؟
لو كان الاغتصاب ظاهرةً عامة، كما يهوى البعض أن يصوّر، لكانت شوارع العراق قد اشتعلت نارًا لا تُطفأ، ولما بقي جندي أجنبي على أرضه ساعة واحدة. ذلك أن شعبًا واجه الاحتلال، وطارد جنوده في الأزقة والطرق، وأجبرهم على التحرك داخل مدرعات ثقيلة، تحت وطأة خوفٍ دائم وتهديدٍ مستمر، لا يمكن أن يسكت على انتهاكٍ منهجي لنسائه. لقد كانت المقاومة تترصد، والعبوات تنفجر، والكمائن تُنصب؛ ولم يكن الجندي يشعر بالأمان إلا خلف جدران القواعد. أفيُعقل بعد ذلك أن يُقال إن شعبًا كهذا يرضى بإهانة شاملة لنسائه؟!
إن الخلط بين جريمة فردية تُدان وتُعاقَب، وبين ظاهرة مزعومة تُعمَّم بلا دليل، ليس زلة لسان، بل انزلاق في المعنى، وإساءة في المقصد. وهو، في جوهره، تجريد للعراقيات من كرامتهن، وتصوير لهن كضحايا مستباحات في سردية مُعلّبة.
غير أن الصورة تكتمل حين نُقابل هذا التهويل بحقيقة لا تحتمل التخفيف: ما ارتكبه تنظيم تنظيم داعش.
هناك، لا نتحدث عن حادثة، بل عن منظومة؛ لا عن انحراف، بل عن نهج.
في سنجار عام 2014، اختُطفت آلاف الإيزيديات، وتشير التقديرات إلى ما بين خمسة آلاف وسبعة آلاف امرأة وطفلة. لم يكن الاختطاف عارضًا، بل مقدمة لنظام كامل من الاستعباد الجنسي: تسجيل، تسعير، بيع، وشراء. سُوِّقت النساء في “أسواق”، وجرى “توزيعهن” على المقاتلين، وصدرت في ذلك نصوص وتبريرات داخل أدبيات التنظيم. وقد وصفت تقارير الأمم المتحدة هذه الأفعال بأنها جرائم إبادة جماعية، وأن الاغتصاب فيها كان أداة حرب ممنهجة.
ولم تسلم الأقليات الأخرى، من مسيحيات وغيرهن، من دوامة الخطف والاعتداء والتهجير. هنا لا مجال للمقارنة المُلتبسة، ولا مساحة للمراوغة اللفظية؛ فالفارق بيّن بين من يُدان فعله ويُحاكَم مرتكبه، وبين من يُنظِّر للجريمة ويُؤسّس لها ويُديرها كسياسة.
إن تحويل مأساة العراقيات إلى مادة للمزايدة، عبر تضخيمٍ غير موثّق أو تعميمٍ متعسّف، لا يخدم الضحايا، بل يُسيء إليهن مرتين: مرة حين يُغتال حقهن في الحقيقة، ومرة حين تُستباح كرامتهن في الخطاب. الدفاع الحقيقي لا يكون بالصراخ، بل بالدقة؛ ولا بالاتهام الشامل، بل بالتفريق العادل.
العراقيات لسن أرقامًا في بيانات، ولا صورًا في سرديات. هنّ جزء من مجتمع قاوم، وصمد، ودفع أثمانًا باهظة في مواجهة الاحتلال والإرهاب معًا. ومن أراد نصرة كرامتهن، فليزن كلماته بميزان الحقيقة، وليفرّق بين حادثةٍ مُجرَّمة وكارثةٍ مُمنهجة؛ فبينهما من الفارق ما بين خطأٍ يُدان، ومشروعٍ يُدان معه الضمير الإنساني بأسره.