🛑فرجال... news
قال تعالى على لسان نبيه يعقوب عليه السلام:
﴿ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87]،
وقال سبحانه على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام:
﴿ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر: 56].
لقد ابتُليت الأمة عبر العصور بنكباتٍ ومحنٍ كثيرة، غير أن أخطر ما قد يُبتلى به الإنسان هو تسرب اليأس إلى قلبه، وانطفاء نور الأمل واليقين في نفسه، حتى يظن أن الخلاص يكون بإنهاء حياته، فيقع في جريمة الانتحار، وهي من أبشع الجرائم وأخطرها على الفرد والمجتمع.
وفي الآونة الأخيرة ظهرت هذه الظاهرة بصورة مقلقة في بعض المجتمعات الإسلامية والعربية، الأمر الذي يستوجب الوقوف عند أسبابها وآثارها، وبيان موقف الإسلام منها.
الانتحار هو إقدام الإنسان على قتل نفسه، أو إتلاف عضوٍ من أعضائه، أو إضعاف جسده بأي وسيلة كانت؛ كالشنق، أو الحرق، أو تناول السموم، أو الجرعات القاتلة من المخدرات، أو إلقاء النفس في الماء، أو تعمد تناول ما يؤدي إلى الهلاك؛ وذلك نتيجة اعتقاد صاحبها بأن الموت خيرٌ له من الحياة.
وهناك علامات قد تظهر على الشخص الذي تراوده أفكار الانتحار، من أبرزها الاكتئاب، والشعور بالحزن الشديد، واليأس، والإحباط، وفقدان القيمة، والعجز عن مواجهة الحياة أو تغيير الواقع، إضافة إلى التغيرات المفاجئة في السلوك؛ كاضطراب النوم أو الطعام، والعزلة، والإهمال في الدراسة أو العمل، فضلًا عن وجود محاولات سابقة للانتحار.
وتشير الدراسات إلى أن نسبة من حالات الانتحار ترتبط بأمراض نفسية وعقلية؛ كالاكتئاب والفصام والإدمان، بينما تعود النسبة الأخرى إلى عوامل اجتماعية واقتصادية وأسرية متعددة.
ومن أبرز الأسباب المؤدية إلى الانتحار ضعف الوازع الديني، وعدم إدراك خطورة هذا الفعل العظيم وما يترتب عليه من إثمٍ وعقابٍ شديد، وكذلك ضعف الإيمان والرضا بالقضاء والقدر، فالانتحار دليل على الاستسلام لليأس والقنوط. كما أن الجهل والجزع وعدم الصبر، والاستسلام للهواجس والأفكار السوداوية، قد يدفع الإنسان إلى التفكير في إنهاء حياته.
وتُعد المشكلات الاقتصادية، كالفقر والبطالة وفقدان العمل أو المسكن، من الأسباب المهمة التي قد تُدخل الإنسان في حالة نفسية صعبة، فضلًا عن التأثر السلبي ببعض وسائل الإعلام والثقافات المنحرفة التي تدفع إلى تقليد السلوكيات الخاطئة والدخيلة على مجتمعاتنا.
كما أن المشكلات الأسرية والعنف والإهمال العاطفي، والنقد المستمر والاستهزاء بالمشاعر، قد تؤدي إلى الاكتئاب الحاد وفقدان الأمل، خاصة لدى الأطفال والمراهقين.
وقد جاء الإسلام بحفظ النفس الإنسانية وصيانتها، وجعل قتل النفس من أعظم الكبائر، سواء أكانت نفس الغير أم نفس الإنسان نفسه، فالانتحار ليس حلًا للمشكلات، بل انتقالٌ من ضيق الدنيا إلى حسابٍ وعقاب، ولهذا شددت النصوص الشرعية في تحريمه والتحذير منه.
قال تعالى:
﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ [النساء: 29-30].
وقال سبحانه:
﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة: 195].
كما ورد التحذير الشديد في السنة النبوية، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًّا فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا».
إن مواجهة هذه الظاهرة تكون بتعزيز الإيمان والأمل بالله تعالى، ونشر الوعي الديني والنفسي، والاهتمام بالصحة النفسية، وتقوية الروابط الأسرية والاجتماعية، وتوفير الدعم النفسي للمحتاجين، وغرس ثقافة الصبر والتفاؤل وحب الحياة.
فالحياة نعمة عظيمة وهبة من الله تعالى، ولا يملك الإنسان حق إنهائها مهما اشتدت عليه الظروف، والمؤمن الحق يعلم أن بعد العسر يسرًا، وأن رحمة الله واسعة، وأن البلاء مهما طال فله نهاية، ولذلك ينبغي أن نتمسك بالأمل، وأن نفتح أبواب الرحمة والمساندة أمام كل من يعاني، حتى نحمي مجتمعاتنا من هذه الظاهرة الخطيرة.