🛑فرجال... news
بسم الله الرحمن الرحيم.
والحمد لله ربِّ العالمين، اللهم صلِّ على محمدٍ وآل محمد الطيبين الطاهرين.
في الإسلام منظومةٌ أخلاقيةٌ متكاملة؛ وقد جُمِعَت أصولُ علم الأخلاق في آيةٍ عظيمة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ...}.
ومن هنا يبرز السؤال: ما موقف الإسلام من التسامح والتشدّد؟ ومتى يكون الإنسان متسامحًا، ومتى يكون متشدّدًا؟ وما هو المعيار والضابطة في ذلك، سواء على مستوى الأفراد أم على مستوى الحكومات؟
الجواب: إن هذه الآية الكريمة قد وضعت المعيار بدقةٍ عالية؛ فالعدل هو: ‘‘وضع الشيء في موضعه"، أي أن يأخذ الإنسان حقَّه كاملًا من دون زيادةٍ أو نقصان، وهذا هو الحدّ الأدنى المطلوب. أمّا الإحسان فهو: التنازل عن بعض الحقّ عن طيب نفسٍ واختيار، وهو مرتبةٌ أعلى من العدل.
ومن خلال نظرةٍ شموليةٍ إلى آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، نجد أن الإسلام يحثّ على التسامح بعنوانٍ أوّلي، قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ...}.
وعليه، فالأصل هو التسامح ما دام لا يترتب عليه ضررٌ على الفرد أو المجتمع؛ فإذا أمكن التسامح بلا مفسدة، كان إمّا واجبًا أو مستحبًا.
أمّا متى يكون التشدد واجبًا؟
فيكون ذلك إذا أدّى التسامح إلى تضييع الحقوق، خصوصًا حقوق المظلومين؛ وكذلك حقوق الأيتام، والقُصَّر، والمجانين، وسائر المستضعفين. ففي مثل هذه الحالات، إذا كان التساهل يؤدي إلى تمادي الظالمين والطغاة، فلا مجال للتسامح؛ بل الواجب هو الحزم والتشدد، قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ}.
ومن الأمثلة الواضحة: من كان وصيًّا على قاصرٍ، أو قيّمًا على يتيمٍ أو مجنونٍ؛ فإن عليه أن يكون شديد الاحتياط، حريصًا، بل متشدّدًا في حفظ مصالحهم، لأن أي تساهلٍ هنا يعدّ خيانةً للأمانة.
أمّا على مستوى الدولة، فالمعيار هو نفسه؛ أي: العدل والإحسان، مع ملاحظة المصلحة العامة. فالحكومة توازن بين جلب المنافع ودفع المفاسد؛ فتكون متسامحةً حيث تكون المصلحة في التسامح، ومتشددةً حيث تكون المصلحة في الحزم، ضمن إطار القانون وحفظ حقوق الإسلام والمسلمين. وقد ورد في الحديث الشريف: ‘‘أخوك دينك، فاحتط لدينك".
ومن صور التسامح في الإسلام: ‘‘التقية المداراتية".
وهي مصطلحٌ فقهيٌّ عند فقهاء الشيعة، يُراد به: مراعاة الآخرين من سائر الطوائف الإسلامية، واحترام عقائدهم، والتعايش معهم بما لا يمسّ أصول الدين؛ وذلك حفاظًا على وحدة المسلمين، وتجنّبًا لإثارة النزاعات الطائفية.
فالتقية المداراتية ليست إخفاءً للعقيدة، كما يُصوَّر أحيانًا؛ بل هي أسلوبٌ عقلائيٌّ وشرعيٌّ للتعايش السلمي، حيث تحتفظ كل طائفةٍ بعقائدها، مع فتح باب الحوار الهادئ البنّاء، بعيدًا عن التوتر والبغضاء.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:
"يا زيد، خالقوا الناس بأخلاقهم، وصلّوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم..."؛ ثم بيّن أن حسن التعامل يعكس صورةً مشرقةً عن المذهب وأهله.
وخلاصة الضابطة:
الأصل هو التسامح إذا لم يؤدِّ إلى مفسدة.
والتشدّد واجب إذا كان التسامح يضيّع الحقوق أو يرسّخ الظلم.
والميزان في ذلك كلّه: العدل أولًا، ثم الإحسان حيث لا ضرر.
وبعبارةٍ موجزة:
"كن عادلًا دائمًا، ومحسنًا ما استطعت، وحازمًا حين يفرض العدلُ نفسه".