🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
في زمن مضى كان المرء يداري سوأته ويدفن نزلَته خشية نظرة المجتمع أما اليوم فقد تحوّل (الانحدار) إلى مهنة وغدت (الفضيحة) الاستثمار الأسرع للثراء. نحن لا نعيش أزمة صناع محتوى هبطوا إلى القاع بحثاً عن الشهرة بل نعيش مجاعة وعي جعلت الجماهير تقتات على هتك الخصوصيات وتصفق للوقاحة بملء شاشاتها. إنها المقايضة الأخلاقية الأكثر رعباً في تاريخنا الحديث: تمنحنا صدمةً ومقاطع عارية من الحياء، فنمنحك صك النجومية وأرقام المشاهدات المليونية ومفاتيح الشقق الفارهة في بوابة العراق.
يمر الفضاء الرقمي في العراق بأزمة بنيوية حادة تتجاوز حدود صناعة المحتوى السطحي لتلامس عمق المنظومة القيمية والاجتماعية حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مساحات للتعبير والتواصل إلى سوق مفتوحة للمزايدة على الخصوصيات والمتاجرة بالقصص الصادمة والفضائح الأسرية. هذه الظاهرة أفرزت نمطاً جديداً من المشاهير الطارئين الذين لم يجدوا حرجاً في الانحدار إلى قاع الابتذال متسلحين بجرأة لافتة وألسنة حادة تبرر الوقاحة باسم الحرية أو العفوية ليعاد تصدير هذه السلوكيات المشوهة وكأنها معايير أخلاقية جديدة يراد فرضها على المجتمع. والمفارقة الأكثر إيلاماً في هذا المشهد تتمثل في السرعة الفائقة التي تنفجر بها هذه المقاطع محققة ملايين المشاهدات في ساعات معدودة والتي تترجم سريعاً إلى قفزات طبقية هائلة تعكسها السيارات الفارهة والشقق الفخمة في المجمعات السكنية الحديثة في وقت يعاني فيه أصحاب الفكر الرصين والمحتوى الهادف من عزلة رقمية خانقة، ويموت نتاج تعبهم وبحوثهم التي استمرت لسنوات في مقبرة الخوارزميات دون أن يتجاوز صدى جهدهم بضع عشرات من المشاهدات الخجولة.
إن هذه الفجوة الهائلة في ميزان الشهرة تدفعنا إلى الكف عن لوم صناع هذه التفاهة وحدهم، وتوجيه النقد الصارم والجريء نحو الذات الجماعية للجمهور؛ فنحن كمستهلكين وشاشات متلقية نمثل الممول الأول والمحرك الأساسي لهذا الهبوط الأخلاقي. لقد استثمرت الخوارزميات الرقمية بذكاء خبيث في الجوانب الغريزية وغير المهذبة للنفس البشرية تلك التي تميل بطبيعتها إلى الفضول والتلصص وتتبع العورات والبحث الدائم عن الصدمة فجعلت من (زمن المشاهدة) المعيار الأوحد للانتشار والربح المادي بصرف النظر عن القيمة الأخلاقية للمادة المعروضة. والمثير للدهشة هو وقوع الجمهور في فخ التفاعل العكسي إذ يتدفق الآلاف نحو المقاطع الهابطة بدافع الانتقاد أو الاستهجان أو كتابة التعليقات الغاضبة متناسين أن عالم الرقميات لا يفرق بين تعليق مادح وشاتم بل يحول هذا التفاعل كله إلى وقود يرفع من شأن المقطع ويضاعف أرباح صاحبه ليكون الجمهور بذلك شريكاً مباشراً في تنصيب هؤلاء واجهات للمجتمع.
وفي المقابل يشهد المحتوى الرصين والمفيد عزوفاً مستمراً لكونه يتطلب جهداً عقلياً وإعمالاً للفكر وتركيزاً يتناقض مع ثقافة الاستهلاك السريع والمبتذل التي هيمنت على العقول في العصر الرقمي الحالي. إن هذا الاختلال الواضح يعكس أزمة وعي جمعي حادة تحتاج إلى وقفة مراجعة شجاعة فالإشكال الحقيقي لم يعد محصوراً في نوعية المادة المعروضة بل في العقلية التي تمنح التفاهة صك النجومية والأهمية. إن مواجهة هذا الانحدار الأخلاقي والمعرفي لا تكمن في سن القوانين فحسب بل في امتلاك الجمهور للوعي الكافي الذي يدفعه إلى ممارسة العقاب الصامت عبر التجاهل التام والإعراض الفوري عن كل ما ينتهك الحياء والخصوصية وتوجيه هذا الدعم والانتباه نحو العقول والأقلام الشريفة التي تسعى لبناء المجتمع فالمحتوى الهابط كالطفيليات يموت فوراً إذا ما حُرم من ضوء الانتباه وغذاء المشاهدات..