● سيمفونية التراث والجمال على مسارح جزيرة هانان: لوحة فلكلورية صينية تنبض بعمق التاريخ
● د. حيدر طارق الجبوري يُكرَّم ضمن أفضل 100 شخصية لعام 2026 في مهرجان روائع الإبداع الدولي في القاهرة..
● يوم السيادة العراقية.. محطة وطنية تؤكد استقلال القرار العراقي
● نزار ئاميدي: قرار السلم والحرب حق حصري للدولة في يوم السيادة
● السيد الحكيم: العراق حريص على ترميم علاقاته مع دول الجوار والابتعاد عن المحاور الإقليمية
● السفارة الصينية في بغداد تحتفي بالذكرى الـ77 لتأسيس جمهورية الصين الشعبية
● هيأة الإعلام والاتصالات: قرار المحكمة بشأن كورك لا يعيدها للعمل.. الديون باقية ومقراتها تظل مغلقة
● قرار مصري يقضي بإجراء أول ولادة طبيعية مجاناً يدعم صحة الأم والطفل ويخفف أعباء الأسر..
● الحكومة تجري حواراً مع واشنطن لاستثناء مطارات عراقية واستئناف الرحلات الإيرانية
● تحرير السفينة العراقية: بطولات "قبيلة بريهة" العراقية في إنقاذ سفينتها من قبضة القراصنة الصوماليين
● سيمفونية التراث والجمال على مسارح جزيرة هانان: لوحة فلكلورية صينية تنبض بعمق التاريخ
● د. حيدر طارق الجبوري يُكرَّم ضمن أفضل 100 شخصية لعام 2026 في مهرجان روائع الإبداع الدولي في القاهرة..
● يوم السيادة العراقية.. محطة وطنية تؤكد استقلال القرار العراقي
● نزار ئاميدي: قرار السلم والحرب حق حصري للدولة في يوم السيادة
● السيد الحكيم: العراق حريص على ترميم علاقاته مع دول الجوار والابتعاد عن المحاور الإقليمية
● السفارة الصينية في بغداد تحتفي بالذكرى الـ77 لتأسيس جمهورية الصين الشعبية
● هيأة الإعلام والاتصالات: قرار المحكمة بشأن كورك لا يعيدها للعمل.. الديون باقية ومقراتها تظل مغلقة
● قرار مصري يقضي بإجراء أول ولادة طبيعية مجاناً يدعم صحة الأم والطفل ويخفف أعباء الأسر..
● الحكومة تجري حواراً مع واشنطن لاستثناء مطارات عراقية واستئناف الرحلات الإيرانية
● تحرير السفينة العراقية: بطولات "قبيلة بريهة" العراقية في إنقاذ سفينتها من قبضة القراصنة الصوماليين

لماذا لا يخرج من الجامعات مفكرون؟ بقلم د. طالب محمد كريم

🛑فرجال... news

د. طالب محمد كريم

لم تعد أزمة الدراسات الإنسانية والفلسفية في جامعاتنا مرتبطة فقط بضعف الإمكانات أو قلة التمويل أو تراجع القراءة، بل أعتقد أن الأزمة الأعمق تكمن في طبيعة السؤال نفسه، وفي شكل العلاقة التي نشأت بين الإنسان والمعرفة داخل المؤسسة الأكاديمية. فليست كل دراسة تُكتب تمثل مشروعاً فكرياً حقيقياً، وليست كل رسالة جامعية تعني أن صاحبها دخل فعلاً في تجربة التفكير العميق. ولهذا يبدو المشهد الأكاديمي أحياناً مزدحماً بالألقاب والشهادات، لكنه أقل ازدحاماً بالأسئلة الجديدة.

ومن خلال المتابعة والتجربة، أرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بضعف الطالب أو قصور المؤسسة، بل بوجود تحولات هادئة أصابت بنية بعض الحقول الفلسفية والإنسانية نفسها. فهناك فروع معرفية بدأت تفقد حيويتها لأنها لم تعد قادرة على إنتاج سؤال جديد، أو لأنها بقيت تدور داخل الإطار ذاته لعقود طويلة. المشكلة هنا ليست في قيمة تلك الفروع تاريخياً، وإنما في تحوّلها أحياناً إلى تكرار تأويلي يعيد شرح الأفكار نفسها بلغة مختلفة، من دون أن يلامس تحولات الإنسان المعاصر وقلقه وأسئلته الجديدة.

ولهذا أعتقد أن بعض الفروع الفلسفية قد تتراجع مستقبلاً داخل الدراسات الأكاديمية، وربما تنقرض تدريجياً من بعض البيئات الجامعية، ليس لأنها بلا قيمة معرفية، بل لأن المجتمع نفسه لم يعد يشعر بالحاجة الملحّة للإجابة عن سؤال يكرر نفسه بالطريقة ذاتها. فالمجتمعات عادة تمنح الحياة للأسئلة التي تمسّ واقعها وتحولاتها، بينما تبتعد تدريجياً عن الأسئلة التي فقدت قدرتها على التجدد أو الانفتاح على المتغيرات.

وفي المقابل، تبقى الحقول الفكرية الأكثر حيوية هي تلك التي تستطيع إعادة إنتاج السؤال باستمرار، والانفتاح على العلوم الأخرى والتحولات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية. فكلما كان المجال المعرفي قادراً على التفاعل مع الإنسان بوصفه كائناً متغيراً، ازدادت قدرته على البقاء. لأن الفكر الذي يعيش داخل سياق مغلق يفقد مع الوقت مرونته، بينما الفكر المنفتح على المتغيرات يعيد اكتشاف نفسه باستمرار.

ومن جهة أخرى، فإن طبيعة الطلبة أنفسهم داخل الدراسات العليا تكشف جزءاً مهماً من المشكلة. فالطلاب ليسوا فئة واحدة، بل يمكن ملاحظة ثلاثة أنماط واضحة. هناك من يدخل الدراسات العليا بوصفها امتداداً لوظيفته أو وسيلة للترقية، ولذلك يكون اختياره للعنوان محكوماً غالباً باعتبارات الوقت والسهولة والسلامة الأكاديمية. وهناك من يرى في الشهادة طريقاً لتحسين وضعه الاجتماعي أو المهني، وهنا تصبح قيمة الشهادة أحياناً أهم من طبيعة الموضوع نفسه. أما الفئة الثالثة، وهي الأقل حضوراً في كثير من مشاهدنا الأكاديمية، فهي الفئة التي تدخل الجامعة لأنها تحمل سؤالاً حقيقياً أو قلقاً معرفياً داخلياً. وهؤلاء تحديداً هم الأقرب إلى التحول لاحقاً إلى باحثين حقيقيين، لأن علاقتهم بالفكرة ليست علاقة إجرائية، بل علاقة وجودية وفكرية.

ولهذا يمكن فهم لماذا تموت كثير من الرسائل الجامعية بعد المناقشة مباشرة، بينما تبقى بعض الدراسات حاضرة حتى بعد سنوات. فالقضية لا ترتبط فقط بعدد المصادر أو سلامة المنهج، بل بمدى حضور ذات الباحث داخل النص، وقدرته على تحويل البحث من واجب أكاديمي إلى رؤية وتحليل وموقف فكري.

والدليل الأوضح على ما أقول هو ضعف الحضور الفكري والفلسفي الحقيقي عند أعداد كبيرة من خريجي الجامعات. فالجامعات تخرج سنوياً أعداداً ضخمة من الطلبة، لكن كم واحداً منهم استطاع أن يتحول إلى كاتب مقال مؤثر، أو باحث فاعل، أو مشارك حقيقي في مؤتمر، أو صاحب حضور ميداني في معالجة مشكلات المجتمع؟ بل حتى من يحضر أحياناً، نلاحظ أنه يواجه صعوبة في تحويل خزينه المعرفي إلى أدوات تواصل وتحليل وإنتاج حلول. وكأن المعرفة بقيت محفوظة داخل إطار النص الجامعي، ولم تتحول إلى قدرة على التفكير الحي.

وهنا تظهر مشكلة أخرى أكثر عمقاً، وهي أن بعض الطلبة يتعاملون مع الفلسفة بوصفها مجموعة اقتباسات جاهزة، لا بوصفها تدريباً للعقل على التفكير. فعندما يُطرح نقاش حول مشكلة اجتماعية أو صحية أو ثقافية أو سياسية، نجده يسارع إلى ملء الحوار بأسماء الفلاسفة والنصوص، فيقول: (كما قال سقراط)، أو (كما يرى نيتشه)، أو (بحسب سبينوزا)، وكأن استدعاء الاسم يغني عن بناء الفكرة. بينما الفلسفة في جوهرها لا تعني ترديد النصوص، بل تعني امتلاك القدرة على تحليل الواقع، وفهم التعقيد، وإنتاج رؤية جديدة.

لأن الفكر الحقيقي لا يعلّم الإنسان ماذا يقتبس فقط، بل كيف يفكر. وهو لا يدفعه إلى تقديس طريق واحد، بل إلى فهم أن العالم مفتوح على احتمالات متعددة، وعلى شبكة معقدة من الأسباب والحلول والتفسيرات. فالحياة ليست معادلة مغلقة، ولا يمكن اختزالها في رأي فيلسوف واحد أو مدرسة واحدة أو نص واحد. ولهذا فإن قيمة الفلسفة لا تكمن في حفظ الأقوال، بل في تحويل العقل إلى أداة قادرة على التساؤل والمراجعة وإعادة النظر.

كما أن المؤسسة الأكاديمية نفسها تغيّرت خلال السنوات الأخيرة. ففي كثير من الجامعات لم تعد اللجان العلمية تمارس الدور الصارم نفسه في فرض العناوين أو إعادة تشكيلها، بل أصبحت العلاقة بين الأستاذ والطالب أكثر مباشرة، اعتماداً على الثقة العلمية بالمشرف، وعلى حرية أوسع في اختيار الموضوع ومسار الكتابة. وفي تقديري، فإن هذا التحول يحمل جانباً إيجابياً مهماً، لأنه يمنح الطالب مساحة أوسع للتعبير عن اهتمامه الحقيقي، كما يمنح الأستاذ فرصة لتوجيه البحث بوصفه مشروعاً فكرياً لا مجرد معاملة إدارية.

لكن في الوقت نفسه، فإن هذه الحرية قد تتحول أحياناً إلى نوع من الهيمنة غير المعلنة إذا أصبحت قناعات الأستاذ الشخصية هي المعيار النهائي للقبول والرفض، أو إذا تحوّل الطلبة إلى نسخ مكررة من مشرفيهم. وهنا تفقد الجامعة تدريجياً تنوعها الفكري، وتتحول بعض البيئات الأكاديمية إلى فضاءات مغلقة تعيد إنتاج اللغة والمنهج والرؤية نفسها.

لذلك أرى أن التحدي الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بتطوير المناهج أو زيادة أعداد البحوث، بل بإعادة إحياء السؤال الحقيقي داخل الجامعة. لأن المعرفة لا تتقدم بعدد الرسائل، بل بقدرتها على إنتاج فكرة جديدة، أو إعادة النظر في فكرة قديمة من زاوية مختلفة. فالبحث الحقيقي يبدأ عندما يشعر الباحث أن هناك سؤالاً لا يستطيع تجاهله، وأن الكتابة ليست مجرد طريق نحو شهادة، بل محاولة لفهم العالم، وفهم الإنسان، وفهم التحولات التي تتغير أسرع مما نتوقع.