🛑فرجال... news
في كل مناسبة تخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام اطرح التساؤل ادناه سواء في الجلسات الخاصة مع الأصدقاء الذين يشاركوني المعتقد والاهتمام أو من خلال حواراتي عبر الشاشة والسؤال :
(الحديث عن علي ع
يحتاج الى علي
وعلي لا يوجد بيننا
فكيف السبيل الى علي)
فليس حب علي بن أبي طالب قضية عاطفية عابرة ولا هو مجرد انحياز لشخصية تاريخية عظيمة بل هو انجذاب فطري إلى منظومة من القيم تجسدت في إنسان حتى كاد التاريخ يعجز عن الإحاطة بأبعاده ، فعندما نحب عليا فإننا لا نحب فردا فقط بل نحب العدالة حين تمشي على قدمي علي ع والحكمة حين تنطق على لسان علي ع والشجاعة العلوية الصادقة حين تتجرد من الغرور والرحمة العلوية حين تقترن بالقوة ، علي هو ذلك الرجل الذي اجتمعت عنده خصال كثيراً ما تتفرق في الناس فقد يكون الإنسان عالماً لكنه ليس شجاعا وقد يكون شجاعاً لكنه ليس رحيما وقد يكون زاهداً لكنه ليس قائداً ، أما علي فقد اجتمعت فيه هذه المتناقضات الظاهرية في صورةٍ نادرة جعلته ظاهرة إنسانية قبل أن يكون شخصية إسلامية ،فهو في المنظومة الإسلامية يحتل موقعاً استثنائياً (فهو أول من آمن من الفتيان وربيب بيت النبوة وباب مدينة العلم كما وصفه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي قال فيه: (أقضاكم علي) و (أعلمكم علي) و (اللهم أدر الحق مع علي حيث دار) ولم يكن هذا الثناء النبوي مجاملة لقريب أو صاحب بل شهادة قائد الرسالة لرجل كان يمثل الامتداد الأصدق لقيمها،
أما القرآن الكريم فقد اقترنت به آيات ومواقف رآها المسلمون شاهداً على منزلته سلام الله عليه ، ففي آية التصدق بالخاتم وفي آية المباهلة وفي آية التطهير وغيرها من المواطن التي جعلت اسمه حاضراً في الوعي الإسلامي بوصفه نموذجاً للإنسان الذي ارتقى في مدارج الإيمان حتى صار جزءا من المشهد القرآني في الذاكرة الإسلامية ، لكن سر علي لا يفسره المسلمون وحدهم فمن العجيب أن نجد المسيحي واليهودي والبوذي والمفكر الحر يقفون أمام شخصيته بالقدر نفسه من الإعجاب ولم يكن ذلك لأنهم يشتركون معه في العقيدة بل لأنهم وجدوا فيه قيمة إنسانية عابرة للحدود ، ولهذا وقف الأديب المسيحي اللبناني جورج جرداق أمام علي مبهورا فكتب موسوعته الشهيرة (الإمام علي صوت العدالة الإنسانية) وكأنه لم يجد عنواناً أصدق من العدالة ليختصر به الرجل ، كان جرداق يرى أن علياً لم يكن مجرد حاكم ناجح بل كان ضميراً أخلاقياً سبق عصره بقرون حتى قال عبارته الشهيرة متحسراً: (قتل علي في محرابه لشدة عدله) ولم يكن جرداق وحده في هذا الميدان، فقد رأى المفكرون والأدباء في علي نموذجاً فريداً للإنسان الكامل فهو الحاكم الذي كان يرقع نعله بيده وهو يدير دولة مترامية الأطراف والقائد الذي خاض المعارك الكبرى لكنه كان يبكي ليتيم فقد أباه والفيلسوف الذي ما زالت كلماته في (نهج البلاغة) تثير إعجاب الباحثين في السياسة والأخلاق والاجتماع والإدارة ، إن العالم لا يخلد الأقوياء فقط بل يخلد أولئك الذين استطاعوا تحويل القوة إلى عدالة ولهذا بقي علي حاضراً في الوجدان العالمي بوصفه مثالاً للحاكم الذي لم يتخذ السلطة سلماً لنفسه (كما يفعل جل الساسة في العالم على نحو العموم وجل الساسة في العالم العربي على نحو الخصوص وجل الساسة في الداخل العراقي على نحو اخص الخصوص) بل جعل نفسه جسراً لعبور الناس إلى حقوقهم ،
وحين يُشار إلى الدراسات المعاصرة التي تناولت نماذج الحكم العادل في التاريخ فإن اسم علي يتكرر بوصفه رمزاً للعدالة الإدارية والإنسانية لأن سيرته لم تكن خطاباً نظرياً بل ممارسة يومية ، ولهذا سيبقى علي بن أبي طالب محبوباً ما بقي في الأرض مظلوم يبحث عن عدالة وطالب علم يبحث عن حكمة وإنسان يبحث عن نموذجٍ يثبت أن القيم الكبرى يمكن أن تتحول إلى حياةٍ تعاش لا إلى شعاراتٍ ترفع.