🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
في مشهد عراقي عبثي لا يُصدق باتت سرقة المال العام تمر عبر قنوات اللباقة والرقي الاجتماعي وكأنها عملية اقتراض ودي بين أصدقاء لا جريمة كبرى تنهش جسد الدولة وتُقوض مستقبل أجيالها. إن تضخم ظاهرة اختلاس الملايين والمليارات من الدولارات (طبقة المحاصصة) أرباب الامتيازات ثم التعامل مع هؤلاء المتورطين بمنطق (الرجاء) بإعادة ما سرق هو إعلان صريح عن انحدار حاد في هيبة القانون وسقوط مدوٍ لمفهوم الدولة.
الجريمة المغلفة بالاحترام فالأمر الأكثر إثارة للغثيان ليس حجم السرقة فحسب بل الأسلوب الذي يُدار به ملف المحاسبة. يدخل المسؤول (اللص) من الباب الكبير يوقع الوثائق يستلم مبالغ طائلة من المال العام ثم يتبخر في الهواء. وعندما يقرر القانون (أو ما تبقى منه) التحرك لا نرى أصفاداً أو زنازين بل نرى دعوات مهذبة ومفاوضات هادئة لاسترجاع الأموال. لقد تحول اللص في عرفنا الحالي إلى (مستثمر) ذكي يستخدم المال المسروق ليضاعفه عبر مشاريع خاصة بينما تكتفي الدولة بطلب استرداد أصل المبلغ أحياناً بالتقسيط المريح ضاربةً بعرض الحائط كل الأرباح التي جناها السارق (من رأس المال الحرام).
ان شرعنة الفساد حينما يغتال القانون نفسه إذ تتجلى الكارثة في التلاعب التشريعي وتحديداً في قوانين العفو التي باتت تُفصل على مقاس (الحرامية)وسراق المال العام الكبار من المسؤولين الذي يعملون في مفاصل الدولة لقد ضربت هذه القوانين عرض الحائط بقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 الذي صُمم لحماية المال العام وتجريم الاختلاس بغض النظر عن قيمته. اليوم تحولت فلسفة التشريع من (حماية العام) إلى (حماية السارق) عبر إباحة الاختلاس فعلياً بشرط الترضية وإرجاع المبلغ. هذا التوجه يعكس صراعاً مريراً بين عقلية الدولة التي تُجرم السرقة وعقلية العشيرة والمحاصصة التي تعتبر المال العام مالاً مجهول المالك أو (غنيمة مشروعة) لمن يملك اليد الطولى.
اليوم اصبح المال العام ضحية منسية وهذا التساهل ليس مجرد خلل إداري بل هو (إبادة اقتصادية) ممنهجة. حينما نرى سارقاً وهو كان مسؤل كبير في الحكومة يختلس ملايين الدولارات ثم يُطالب بإرجاعها بكل أدب فإننا نرسل رسالة لكل مسؤول فاسد (اسرق، استثمر، واضمن إفلاتك من العقاب، فالدولة لن تقاضيك، بل ستتوسل إليك). هذه الفلسفة التشريعية المتهاونة هي التي جعلت الفساد ثقافة وليس ظاهرة عابرة. إننا نعيش في حالة من (تقنين اللصوصية)حيث يتم إفراغ المؤسسات من محتواها، وتحويل الميزانيات إلى محافظ شخصية بينما يقف المواطن البسيط مذهولاً أمام أدب الحوار مع من سرق خبزه ومستقبل أطفاله.
اخيرا اقول إلى أين؟ إن الدولة التي لا تملك القدرة أو الإرادة لردع سارقيها وتكتفي بمنطق (الاسترضاء) هي دولة تضع نفسها على حافة الفناء. إن استعادة المال العام ليست مجرد أرقام تُعاد للخزينة بل هي استعادة لهيبة الدولة التي انتهكتها أيادي كانت مؤتمنة. ما لم تكن هناك عقوبات رادعة واضحة ولا تفرق بين ذي نفوذ ومواطن عادي فإن أدب الطلب سيظل هو الغطاء الذي يحمي فساداً يبتلع العراق ببطء. ومع كل هذا القتامة يجب أن ندرك أن المجتمع العراقي لم يمت أخلاقياً لكنه مُحاصر. إن ثقافة الغنيمة ليست متأصلة في جيناتنا بل هي قشرة سميكة فرضها نظام سياسي معتل. إن التغيير ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب كتلة حرجة من الوعي ترفض المساومة على الحق وتصر على أن المال العام هو مال الشعب وليس (غنيمة) تُوزع بالتقسيط..