🛑فرجال... news
د. ناجي الفتلاوي
ابتداء اسمح لنفسي بصياغة مكثفة لمفهوم الظمأ الانطولوجي عند المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي ويمكنني القول:
ان الضمأ الأنطولوجي هو شعور الإنسان الدائم بالنقص الوجودي الذي يدفعه للبحث عن المعنى والحقيقة والسكينة الروحية بوصفه حاجة أصيلة في الكينونة الإنسانية لا تقل أهمية عن حاجاته البيولوجية ، يتماهى مع ذلك رؤيته اي(الرفاعي)من أن الدين في جوهره التاريخي والروحي نشأ جزئياً استجابةً لهذا الضمأ أي بوصفه محاولة لإرواء عطش الإنسان إلى المعنى لا مجرد منظومة أحكام وطقوس ، وانطلاقا مما ورد في اعلاه وولوجا إلى مقاربة رباعية يحضر فيها ليو تولستوي و ساراماغو وهيرمان هسه فضلا عن الرفاعي فاننا سنصل الى جملة تعريفية مكثفة من ان الظمأ الانطولوجي هو (صرخة الروح للاستيقاظ) أو (هو عطش الروح إلى المطلق ذلك العطش الذي لا ترويه مباهج الدنيا بل يرويه المعنى حين يستقر في أعماق الكينونة)فليس الجوع إلى الخبز وحده ما يحرك الإنسان ولا العطش إلى الماء وحده ما يدفعه إلى البحث ،ففي أعماق الكائن البشري عطش آخر أشد خفاءً وأكثر إلحاحاً عطش لا ترويه الثروة ولا السلطة ولا الالقاب الزائفة ولا اوهام العظمة و الشهرة ولا لذة التعرف على التضاريس الجغرافية لدى شريكتنا على هذه الأرض ، إنه ما يسميه الرفاعي (الضمأ الأنطولوجي) ذلك الشوق بأعلى درجاته إلى المعنى والشعور بالحاجة إلى ما يمنح الوجود قيمة تتجاوز حدود اليومي والعابر، ذلك العابر الذي ارادنا هيغل ان ننتقل اليه تاركين وراءنا الابدي ،حيث ان الرفاعي يرى أن الإنسان فضلا عن كونه ليس مجرد كائن بيولوجي أو اجتماعي هو أيضا كائن معنوي وروحي يعيش قلقاً وجودياً دائماً بالإمكان أن نصفه بالقلق النبيل لأن في داخله فراغاً لا تهيمن عليه بطولة المادة وما يترشح عنها ، فالضمأ الأنطولوجي عنده هو الحاجة الأصيلة إلى المعنى الخلاق وإلى اكتشاف اسرار الماوراء (وراء الحياة والموت والألم والحب والمصير) ، إنه سؤال البدايات والغوص بحثا عن الجذور ، وهنا عندما ننتقل إلى الروسي ليو تولستوي (الكاتب و الفيلسوف والروائي المتوفى عام 1910) نجد أننا أمام تجربة لا أقول عنها تتماهى مع منحى الرفاعي بل مشابهة وإن اختلفت اللغة والمصطلحات ، فقد بلغ تولستوي قمة المجد الأدبي والاجتماعي لكنه وجد نفسه فجأة أمام سؤال مرعب: لماذا أعيش؟ وما جدوى كل هذا النجاح إذا كان الموت ينتظر الجميع؟ ففي كتابه (اعتراف) يصف تلك الأزمة الوجودية التي كادت تدفعه إلى الانتحار، حيث لم يكن ينقصه شيء من متاع الدنيا لكن روحه كانت تصرخ طلباً للمعنى ، هنا يظهر الضمأ الأنطولوجي في صورته الحادة فالمشكلة ليست في فقدان الأشياء، بل في فقدان دلالتها ، اما (هرمان هسه الألماني _ السويسري الروائي وابرز كتاب القرن العشرين والمتوفى سنة 1969 ) فقد عبّر عن هذا الضمأ بلغة أكثر شاعرية وروحانية ، ففي (سدهارتا) و(دميان) و(ذئب البراري) تتكرر صورة الإنسان الذي يشعر بالغربة عن ذاته والعالم فينطلق في رحلة داخلية بحثاً عن الحقيقة ، والازمة الوجودية بالنسبة لهِسّه ليست لعنة بل بداية تحول روحي فالروح لا تستيقظ إلا عندما تشعر بعدم كفاية الأجوبة الجاهزة وعندما تدرك أن الامتلاء الحقيقي لا يأتي من الخارج بل من رحلة اكتشاف الذات ،
أما جوزيه ساراماغو ( الروائي والكاتب والصحفي البرتغالي والمتوفى 2010 والذي يعد من أبرز أدباء القرن العشرين والفائز بنوبل عام 1998 تقديراً لرواياته التي تمزج الخيال بالفلسفة والنقد الاجتماعي والإنسان) فيقارب المسألة من زاوية مختلفة ، ففي أعماله الروائية تتجلى هشاشة المعنى حين تفقد المؤسسات قدرتها على إقناع الإنسان وحين يجد الفرد نفسه وحيداً أمام أسئلة المصير والحرية والمسؤولية ،شخصياته تبدو وكأنها تعيش في عالم فقد يقينياته الكبرى لكنها مع ذلك لا تتوقف عن البحث، إن الضمأ عند ساراماغو ليس بحثاً عن أجوبة نهائية بقدر ما هو مقاومة للفراغ وإصرارا على أن الإنسان لا يكتمل إلا بالسؤال فهو مخلوق خلق ليسأل ، وعلى الرغم من اختلاف الخلفيات الفكرية بين هؤلاء الأربعة، فإن ثمة خيطاً عميقاً يجمع بينهم فالضمأ الأنطولوجي عند الرفاعي وأزمة المعنى عند تولستوي والرحلة الروحية عند هِسّه والبحث القلق عند ساراماغو كلها تعبر عن حقيقة واحدة مفادها (الإنسان أكبر من حاجاته المادية) ففي داخله توق دائم إلى ما يتجاوز الواقع المباشر وإلى ما يمنحه إحساساً بأن حياته ليست حادثة عابرة في كون صامت غير أن الاختلاف يظهر ويتضح في مآلات هذا الضمأ ، فتولستوي انتهى إلى الإيمان بوصفه جواباً على سؤال المعنى بينما رأى هِسّه أن الطريق هو التجربة الروحية الفردية واكتشاف الذات أما ساراماغو فبقي أقرب إلى أفق السؤال المفتوح حيث لا توجد إجابات نهائية بقدر ما توجد مسؤولية إنسانية مستمرة في مواجهة العبث في حين يحاول الرفاعي أن يؤسس لرؤية ترى في الدين مجالاً لإرواء العطش الوجودي شرط أن يتحرر من الجمود والتوظيف الأيديولوجي وأن يستعيد بعده الروحي والأخلاقي والإنساني.