🛑فرجال... news
تدوين وتوثيق/ د. ثائرة أكرم العكيدي
في صمت الفجر المريب الذي خيم على الموصل في العاشر من حزيران عام 2014 لم يكن محمد علي البديري ذلك الحاصل على الماجستير في المحاسبة يدركُ أن القدر قد كتبَ له دوراً استثنائياً في حكايةٍ لن يصدقها التاريخ إلا حين يرويها ناجٍ من قلبِ الجحيم. كان محمد الذي قادتهُ الأقدار إلى سجن بادوش تحت بند (المادة 44) من قانون الآثار يعيش في قلق دائم فقد كانت جدران السجنِ الهشة تئن تحت وقع قذائف الهاون التي تنهمر كالمطر القاتل بينما كان هو وزملاؤه يصرخون في أذنِ المسؤولين (انقلونا إلى الجنوب.. نحن هنا أهداف جاهزةٌ للموت). لكن صرخاتهم كانت تذهب مع الريح حتى جاءت تلك الليلة التي تلاشت فيها بدلات الحراس كسراب في الصحراء بعد ان تركوا مواقهم وهربوا ليجدوا أنفسهم وحيدين في زنازين باتت توابيت مفتوحة أمام زحف (داعش).
حين اقتحمَ التنظيم السجن كانت الشاحنات السبع تنتظر في الخارج أشبه بقطار يحمل الركاب إلى نهايتهم. وما إن توقفت في تلك البقعة القاحلة المطلة على مبزل عميق يملؤه القصب، حتى بدأ (الحجي) المسؤولُ عن القتلة يمارس طقوسهُ النفسية الخبيثة. فرقهم على الهوية مدعياً كذباً أن ( السنة) سيمنحون السلاح وأن (الشيعة) سيعودون لأهلهم. كانت خدعة سمجة لم تنطلِ على محمد لكن الموت كان يحاصرهم من كل جانب. استُبيحت كرامتُهم سُلبت خواتمهم وهواتفهم وأُجبروا على العدِ عسكرياً. كان صوت محمد (463) يتردد في فضاء تلك المنطقة القفراء بينما كانت يداه تقبضان على مصحف صغيرٍ يطلب فيه قطرةَ ماءٍ لتطفئَ ظمأ الساعات الأخيرة فجاء الردُّ بلسانٍ لا يعرفُ الرحمة الكلب أشرف منكم.
انفتحت أبواب الجحيم دفعة واحدة انطلقت الرشاشات (BKC) لتسقط الأجساد كأوراق الخريفِ في قاعِ المبزل. محمد الذي غرقَ في قراءةِ سورة (يس) لا يذكرُ كيف سقط لكنه يتذكرُ صوتَ ارتطام أجسادِ أصدقائهِ فوقه وصوت تلك الأحاديةِ التي كانت تمشطُ الجثثَ للتأكدِ من موتِ أصحابها. ثم جاءت (طلقاتُ الرحمة) طقسٌ شيطاني نزلَ فيه أربعةُ قتلةٍ لينهوا حياةَ من بقي يئنُ وكان صوتُ الرصاصِ الذي يخترقُ جماجمهم يترددُ في أذنِ محمد وهو يغيبُ عن الوعيِ ويستفيقُ على رائحةِ أجسادِ رفاقهِ وهي تحترقُ تحت نيرانِ القصبِ التي أضرمها القتلةُ لإخفاءِ جريمتهم.
بعد انسحابِ القتلة، بدأ زحفُ الخلاص. لم يكن جسدُ محمد يطيعه، لكنَّ إرادةَ الذاكرة كانت أقوى من الموت. زحفَ فوق جثثِ من كانوا بالأمسِ يشاركونه الغربة نزعَ حذاءاً رياضياً من قدمِ أحدِ الشهداءِ ليحميَ به قدميهِ من الأشواك وبدأ رحلةَ الـ 18 يوماً. كان يزحفُ تارةً ويمشي تارةً والتقى بزميله (علي) تحت أحدِ الأنابيب ليعيشا معاً كأشباح تطاردُها النجاة حتى التقى بذلك الرجل الكريم (عبيدي) الذي خاطرَ بحياةِ عائلتهِ ليحميَهم من بطشِ المارين عبر الطرقِ الوعرة.
وصل محمد الى أهله في الديوانية كان ناجياً جسدياً لكن روحهُ كانت لا تزالُ عالقةً في قاعِ المبزل. وفي الثاني من تموز ذهب الى مكافحة الإجرام ليسلم نفسه مؤمناً بأن القانون هو الملاذ. وقفَ أمام القاضي بكل ما يحملهُ من ثقافة قانونية وطالب بمحاسبة من تركوا السجناء فريسةً للذبح فجاء الرد كصفعة ثانية (نفسيتك تعبانة اذهب للسجن لترتاح). لم يغضبْ? محمد من السجن فقد كان قد خبر طعمَ الموت وعاد بل غضبَ لأن الحق في وطنهِ كان (نفساً تعبانة) يحتاج إلى راحة بينما الحقيقة كانت تنزف في ثلاثة مقابر جماعية في بادوش وبوابة الشام والسد.
يقف محمد البديري اليوم شاهداً يرفض الصمت ليضعَ إحداثيات الموت أمام العالم. يحملُ في وجدانهِ أمانةَ (938) ضحية يتلو سورة يس على أرواحهم كلما أغمضَ عينيه مرتقباً شمسَ العدالةِ التي ستنتشلُ من ركامِ النسيان حقيقة مجزرة أُريد لها أن تُدفن في قاعِ (المبزل)لكنها تجذرت في دمهِ لتغدو حكاية أبدية.
إنّ هذه الشهادة تعد من أكثر الوقائع صدمةً وتوثيقاً لتلك المرحلة فهي تتجاوز كونها مجرد حكاية لتصبح وثيقة إدانةٍ لأشرس الأحداث التي عصفت بالعراق وجزءاً جوهرياً من السجلات التي كشفت عن ملفات المقابر الجماعيةِ المنسية التي لا تزال تنتظر الإنصاف...