🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية المتسارعة تأتي التفاهمات الأخيرة بين واشنطن وطهران لتضع المنطقة أمام مشهد سياسي جديد غير أن قراءة متفحصة لطبيعة هذه التفاهمات تكشف أنها ليست اتفاقية سلام شاملة بل هي هدنة استراتيجية مؤقتة تمليها ضرورات المرحلة وتفرضها الحسابات الانتخابية والداخلية لكلا الطرفين
إن الاعتقاد بأن مذكرات التفاهم أو التهدئة الميدانية تعني طياً لصفحة الخلاف هو وهم سياسي فالحقيقة أن هذه التفاهمات تندرج ضمن إدارة الأزمات وليس إنهاء النزاعات إذ إن فجوة الخلاف بين الطرفين المتمثلة في الملف النووي ونفوذ إيران الإقليمي وبرامجها الصاروخية هي فجوة بنيوية لا يمكن جسرها عبر هدنة تكتيكية حيث إن الهدف الأساسي من هذه التحركات هو تجميد الصراع عند حدوده الحالية ومنع تحوله إلى مواجهة عسكرية شاملة قد تحرق الأوراق جميعها مما يجعل هذه التفاهمات وسيلة لتمديد حالة اللا حرب واللا سلم.
وبينما تسعى طهران للوصول إلى تهدئة لتخفيف الضغوط الخارجية يواجه النظام تحديات داخلية تراكمت بفعل سنوات من العقوبات والاضطرابات الاقتصادية وإن دخول الهدنة حيز التنفيذ يضع النظام الإيراني أمام اختبار المصداقية أمام شعبه فمع توقف التوتر الخارجي ستتحول أنظار الداخل الإيراني نحو الأداء الحكومي والوعود الاقتصادية وإذا لم يلمس المواطن الإيراني تحسناً ملموساً في مستوى المعيشة فإن التهدئة الخارجية قد تتحول إلى فتيل لاضطرابات داخلية مما يعني أن النظام قد يواجه أياماً صعبة ليست بسبب الخارج هذه المرة بل بسبب استحقاقات التنمية والاستقرار الداخلي.
ومن الجانب الأمريكي تبدو دوافع التهدئة نابعة من عقلية براغماتية بحتة فإدارة ترامب التي تعيش على وقع استحقاقات الانتخابات النصفية تدرك أن أي تصعيد عسكري مفتوح سيؤثر سلباً على المشهد الاقتصادي والداخلي كما أن نجاح إدارة المشهد خلال الأحداث العالمية الكبرى ككأس العالم يعد هدفاً استراتيجياً للحفاظ على صورة الاستقرار والقيادة إن تجنب الانخراط في أزمات خارجية خلال هذه الفترات يمنح الإدارة الأمريكية قدرة أكبر على المناورة السياسية والتركيز على الملفات الانتخابية التي تهم الناخب الأمريكي.
ختاماً إن المشهد الذي نراه اليوم ليس إلا استراحة محارب لكلا الطرفين حيث يسعى كل منهما إلى ترتيب أوراقه الداخلية وتحصين مواقفه لمرحلة ما بعد الهدنة فهي ليست تسوية دائمة بل موازنة دقيقة بين الرغبة في تجنب الانزلاق إلى المجهول وبين استمرار التنافس الجيوسياسي وفي السياسة الدولية لا تُحل المعضلات الكبرى عبر تفاهمات مؤقتة بل عبر توازنات قوة تفرض واقعاً جديداً وهو ما لا يزال قيد التشكل في هذه المرحلة..