🛑فرجال... news
أي سر أودعه الحسين في رمال كربلاء ليجعل من دماء سُفكت قبل أربعة عشر قرناً نبعاً لا ينضب في شرايين التاريخ؟ إنها ليست مجرد واقعة طوتها الصحراء في بقعة منسية بل هي اللحظة التي انشق فيها الضمير الإنساني ليرى الحقيقة عارية لتتحول تلك الفاجعة من مجرد ذكرى عابرة إلى بوصلة أبدية لا تخطئ وقصيدة بقاء لا يمحوها تقادم الأجيال.
إن كربلاء ليست مجرد معركة انتهت فصولها فالحسين (عليه السلام) لم يورث قصوراً ولا عروشاً، بل ترك لنا سؤال الوجود. ترك لنا تساؤلات ملحة عن العدالة والكرامة وعن ذلك الإنسان الذي يبلغ إيمانه مبلغاً يجعل من حياته ثمناً زهيداً في سبيل مبادئه. لذا، لم يلتفت التاريخ طويلاً إلى تفاصيل الجيوش وعدد المقتتلين بل انحاز إلى المعنى إلى ذلك الرجل الذي سار إلى حتفه بعينٍ مفتوحة، ليحيل الدم المراق إلى ذاكرةٍ حية تتجدد مع تعاقب السنين.
لقد قرأه العارفون إماماً ووجده الباحثون شهيداً بينما رآه الأحرار رمزاً للإنسان الذي أبى الانحناء. ولهذا أيضاً، لم يبقَ الحسين حاضراً في الوجدان الديني فحسب بل امتد حضوره إلى رحاب الشعر ومساحات الأدب، وآفاق الفكر حيث توقف عنده شعراء ومؤرخون ومفكرون من مشارب وثقافاتٍ وأديانٍ شتى، شرّقوا وغرّبوا في البحث عن كنه هذه التضحية، ليغدو بذلك صرخةً كونيةً تتجاوز حدود الجغرافيا والمُعتقد.
إن الحسين يظل سؤالاً مفتوحاً يطرق أبواب الوعي هل نحن مع العدالة حين تُستباح؟ وهل ننتصر للكرامة حين تُهان؟ وهل نملك الشجاعة لنقف مع الحق وإن كنا وحدنا؟
وفي هذا السياق نأمل أن تكون عاشوراء هذا العام انطلاقة لفهم حقيقة الثورة الحسينية، لا استعراضاً لفائض القوة بل نهجاً سياسياً وسلوكاً اجتماعياً قوامه العدل. لعلنا نقتدي بالحسين ونثور فعلاً على الظالمين ونقوّم الاعوجاج، وننبذ الغلو والبدع لنرتقي بعاشوراء من مجرد طقسٍ عابر إلى ثورة وعي عالمية.
إن الادعاء بالحسينية ليس انتماء لاسم، ولا حزناً موسمياً يتوارى بانقضاء أيامه. إنها دعوةٌ للعودة إلى جوهر الفكرة أن نكون في معسكر الحق بلا مواربة. فالمسألة اليوم ليست في استذكار أين وقعت كربلاء بل في الإجابة على سؤال أين تقع كربلاء الآن؟ ومن هو الظالم الذي يستوجب مواجهته؟ ومن هو الحسين الذي ينتظر من يقف إلى جانبه في هذه اللحظة من الزمن؟
اليوم كربلاء ليست جغرافيا محصورة في رمال العراق بل هي إحداثيات تنتقل مع كل صرخة مظلوم، ومع كل قيد يكبل حرية إنسان. فكل أرض يصادر فيها صوت العدل هي كربلاء وكل طاغية يرى في تكميم الأفواه قوة هو وجه الاستبداد الذي واجهه الحسين. إن جوهر الثورة الحسينية هو أن ندرك أن الحسين لا يبحث عن بواك يذرفون الدمع على مأساة مضت، بل يبحث عن أحرار يذودون عن القيم التي سُفكت دماء آل البيت من أجلها.
من هنا تتحول القضية من استعادة للماضي إلى ممارسة للحاضر. فأن تكون حسينياً يعني أن تتجاوز طقوس الذكرى إلى فاعليةِ الموقف أن ترفض الغلو الذي يشوه جوهر الرسالة، وتواجه البدع التي تُغيب وعي الأمة. إنه صراع يومي بين الضمير والواقع؛ صراع يتطلب بصيرة تميز بين الاستعراض الذي يُفرغ الثورة من محتواها وبين ‘‘النهج‘‘ الذي يحيي فينا جذوة الثورة ضد كل أشكال الاستغلال والظلم.
ففي هذه اللحظة وبينما يتقلب العالم على جمر التغيرات يظل نداء الحسين حاضراً يطرح علينا السؤال الأصعب من منا يجرؤ على أن يكون حراً؟
إن خيار الحسين لم يكن خيار موت بل كان خياراً لإنقاذ المعنى حين كاد أن يندثر. واليوم ونحن نحمل هذا الإرث علينا ألا نكتفي بالتغني بالماضي بل أن نصنع في حاضرنا كربلاءنا الخاصة؛ حيث الحق هو البوصلة، والكرامة هي الثابت الذي لا يميل والعدل هو الغاية التي لا نرضى بغيرها بديلاً. فالحسين في نهاية المطاف ليس لمن يبكي عليه في موسم بل لمن يحيا لكي لا يتكرر الظلم الذي قتله..