🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
يوماً بعد يوم يتحول العراق إلى مسرح عبثي كبير حيث تتقمص الدولة دور الشبح الذي يرتدي ثياب القانون ليخفي تحته هيكلاً من جريمة الفساد المنظم. إننا لا نشهد انهياراً عابراً بل نشهد تطبيعاً مع الموت يمارس عبر تخدير الوعي في منصات النشر التي تحولت إلى مدافن للحقائق. السؤال لم يعد ما الذي يجري بل لماذا نتظاهر بالدهشة بينما نرقص جميعاً في طقس جماعي لتشييع جنازة الوطن؟
إن التناقض الصارخ الذي نعيشه اليوم يكمن في وجود مؤسسات هيكلية بلا روح سيادية. لدينا دستور لا يطبق إلا حين يخدم المتنفذين وقوانين أصبحت فخاخاً للضعفاء وحصوناً للأقوياء. هذا الوضع ليس عجزاً حكومياً بقدر ما هو هندسة مقصودة للابقاء على دولة هشة قابلة للاختراق ومقسمة إرادياً بين مراكز قوى لا تعترف بالدولة إلا كمغنم.
إن الفساد في هذا السياق ليس حالة طارئة بل هو العصب الحيوي الذي يربط شبكات المصالح ببعضها مما يجعل أي محاولة إصلاحية تبدو كعملية جراحية مستحيلة في جسد تعفن فيه النخاع.
أما الأخطر في المشهد فهو تحول المواطن العراقي من فاعلٍ يغير الواقع إلى (راوٍ للخراب). إن هذا السباق المحموم في نشر الأخبار ونقل الجرائم والتباكي على منصات التواصل خلق حالة من (الاستلاب الرقمي). نحن لا ننقل الخبر لنكشف الحقيقة، بل ننقله لنفرغ شحنات الغضب ثم نعود لنغرق في روتيننا اليومي متناسين أن هذا الضجيج الرقمي هو في حقيقته أداة تشتيت فعالة فالسلطة لا تمانع أبداً أن نصرخ في الفضاء الافتراضي ما دمنا لا نتحرك في الفضاء الواقعي.
إن الشكوى والاعتراض رغم ضرورتها كبداية تظل عقيمة ما لم تنتقل من خانة التعبير عن الألم إلى خانة التخطيط للتغيير. نحن بحاجة إلى التوقف عن كوننا جمهوراً مستهلكاً للأزمات لنصبح مواطنين منتجين للحلول. الدولة التي نحلم بها لا تُسترد بالنوايا بل بعقل سياسي يدرك أن القانون هو السلاح الوحيد القادر على كسر هيمنة اللصوص وأن النخبة التي نحتاجها هي تلك التي تمتلك الشجاعة لقول (لا) والقدرة على التنظيم عندما يغريها التشتت.
العراق اليوم يعيش حالة من السيولة السياسية وتصلب الأزمات، حيث يواجه المواطن تناقضاً صارخاً بين نصوص الدستور وهيبة المؤسسات من جهة، وواقع الفساد المستشري وتغليب الولاءات على الكفاءة من جهة أخرى. لقد تحولت الدولة إلى واجهات هشة تُدار عبر تأويل انتقائي للقانون مما جعل الفساد ليس مجرد حالة عارضة بل نظاماً سياسياً واقتصادياً متكاملاً يضمن ديمومة القوى النافذة ويحول دون أي إصلاح حقيقي يهدد شبكات مصالحها
نحن اليوم بحاجة الى استعادة مفهوم المواطنة الحقة التي تضع القانون فوق الجميع. نحن بحاجة إلى نخبة مؤسسية تنبثق من رحم الوعي الشعبي تمتلك عقلاً سياسياً منظماً يوازي صرامة المنظومة القائمة وتتبنى عقداً اجتماعياً جديداً يجعل الدولة هدفاً وطنياً لا وسيلة للثراء. فالتغيير يتجاوز السخط العاطفي والنقد العقيم ليصبح مشروعاً تنظيمياً يمزج بين الوعي الصلب والفعل السياسي الممنهج وهو وحده ما يصنع التاريخ ويبني الدول..