🛑فرجال...news
تقول المقولة: ‘‘اسأل خبيرًا ولا تسأل حكيمًا"، ومن واقع خدمة وظيفية امتدت لأكثر من 43 عامًا، تنقلت خلالها بين مؤسسات عسكرية وصناعية ونفطية وإدارية، أجد أن من واجبي طرح بعض الرؤى المتعلقة بالإصلاح الإداري في العراق.
لقد عملت في مجالات الآلات الدقيقة والاتصالات والخدمات الإدارية، وحصلت على شهادة البكالوريوس في الفلسفة ودبلوم في النفط والإلكترونيات، فضلًا عن المشاركة في أكثر من ستين دورة تخصصية وتطويرية. كما أن دراستي للهندسة في يوغسلافيا السابقة، قبل أن أضطر للعودة إلى العراق بسبب ظروف الحرب، أسهمت في توسيع رؤيتي العلمية والإدارية.
ومن خلال هذه التجربة الطويلة، أرى أن أحد أبرز أسباب تراجع الأداء الإداري وانتشار الفساد هو تغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة. فالدولة لا يمكن أن تنهض ما دامت مراكز القرار خاضعة للمحاصصة والنفوذ والمصالح الضيقة، وما دام المال العام عرضة للهدر والفساد، فضلًا عن تأثيرات الأجندات الخارجية التي أضعفت استقلالية القرار الوطني.
لقد أدى انتشار النفاق السياسي واستغلال الدين أو الانتماءات القومية والطائفية لتحقيق المكاسب إلى إضعاف مفهوم المواطنة، وتعميق الانقسامات المجتمعية، الأمر الذي انعكس سلبًا على أداء مؤسسات الدولة وقدرتها على تنفيذ برامج إصلاح حقيقية.
ومن واقع الخبرة العملية، يمكن تشخيص أبرز معوقات الإصلاح الإداري بالنقاط الآتية:
أولًا: ضعف الإنتاجية في مؤسسات القطاع العام، نتيجة غياب الحوافز الحقيقية للعمل والإبداع، وشعور الكثير من الموظفين بأن الوظيفة مجرد وسيلة للحصول على الراتب لا للمساهمة في التنمية وخدمة المجتمع.
ثانيًا: انتشار المحسوبية والولاءات الشخصية على حساب الكفاءة والنزاهة، مما أدى إلى تهميش العناصر المهنية وإضعاف الرقابة الإدارية الفاعلة.
ثالثًا: تراجع هيبة الدولة والمؤسسات الرسمية، الأمر الذي انعكس على احترام القوانين والتعليمات، وأضعف ثقة الموظف والمواطن بالإدارة العامة.
رابعًا: غياب الآليات العادلة التي تضمن الحقوق الوظيفية وتكافؤ الفرص، مما دفع الكثير من الكفاءات إلى العزوف عن تحمل المسؤوليات التنفيذية والخدمية.
إن الإصلاح الإداري لا يبدأ بتغيير الأشخاص فحسب، بل بتغيير الثقافة الإدارية السائدة، وترسيخ قيم النزاهة والكفاءة والمساءلة، وبناء مؤسسات قوية قادرة على خدمة المواطن بعيدًا عن المصالح الضيقة والانقسامات السياسية والطائفية.