🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
في واقعة تُسقط كل التوقعات وتجعلنا في حالة من الاستغراب التام اقتحمت أرتال الدبابات سكون ما بعد منتصف ليل الثامن والعشرين من حزيران في قلب المنطقة الخضراء في حدث لم نشهد له مثيل ليضعنا أمام واقع عصي على التصديق فكيف لمن تغلغل الفساد في عروقهم لعقدين كاملين أن يتحولوا فجأة إلى حماة للنزاهة بعد أن آمنا جازمين بأن الإصلاح في هذا النظام هو سابع المستحيلات.
إن ما شهدته بغداد في تلك الليلة يشي بتحول جوهري في طبيعة الصراع داخل (بيت الحكم) حيث دخلت عملية تصفية الخصوم وتصفية الحسابات مرحلة جديدة تكتسي بعباءة (مكافحة الفساد) وملاحقة سراق المال العام وهو غطاء قانوني وشرعي يبدو أنه استُخدم لتبرير حملة واسعة طالت شخصيات سياسية ونواب ومستشارين بينهم من ينتمون لكتل كانت حتى الأمس القريب جزءاً أصيلي من تركيبة السلطة.
إن تبدل الأدوار المريب حيث استبدل الموالون عقيدتهم بالولاء المطلق بأدوار محتجين وفق سيناريو مدروس يُعري بطلان الادعاءات إذ لا يمثل هذا المشهد سوى ارتدادات لتهالك المنظومة وتناحر أقطابها على حطام النفوذ مما يثير تساؤلات وجودية حول إمكانية أن تُنتج السلطة إصلاحاً حقيقياً وهي في أوج صراعها الداخلي. وهنا يتساءل العراقيون بحرقة وتوجس عن مدى صحة وجدوى هذه الخطوة الجريئة وهل هي فعلاً ضربة قاصمة للفساد أم أنها مجرد مناورة أخرى لخلط الأوراق والاستمرار في الهيمنة؟ إذ لا يمكن للمرء أن يتصور أن الطبقة التي تشاركت في بناء أركان الفساد يمكنها بقرار فوقي ومداهمات ليلية أن تحمل راية الخلاص أو تستعيد هيبة الدولة التي نخرتها المحاصصة لسنواتٍ طوال.
تفيد المعطيات الميدانية رغم شح البيانات الرسمية وتضاربها بأن العملية أُديرت بتناغم لافت بين رئاسة السلطة القضائية ورئاسة الوزراء مع حضور عسكري مكثف في شوارع المنطقة الخضراء وعلى طريق المطار مما يوحي بأننا أمام عملية جراحية كبرى أو على الأقل عملية إعادة تموضع داخل القوى النافذة.
فالاعتقالات التي طالت أسماء وازنة بالتزامن مع التضييق على حركة السفر والتدقيق الأمني الصارم تشير إلى وجود رغبة في تحجيم نفوذ أطراف معينة أو ربما توجيه رسائل ضغط داخلية وخارجية ولا سيما في ظل التكهنات حول ارتباط هذه الحملة بمساعٍ لتقديم عربون سياسي لضمان استمرار الدعم الدولي أو لترميم صورة السلطة أمام المجتمع الدولي.
بيد أن القراءة الفاحصة للمشهد تقودنا إلى استنتاج أكثر تعقيداً فالفاسد في العقلية السياسية العراقية الراهنة ليس مجرد شخص يمكن إزاحته أو مسؤول يمكن استبداله بل هو فكر ومنظومة متكاملة تضرب جذورها في عمق مفاصل الدولة. إن التضحية بعدد من الرؤوس مهما كان ثقلها السياسي أو استرجاع جزء من الأموال المنهوبة يظل إجراء تجميليا لا يمس جوهر الأزمة.
إن الخشية الحقيقية تكمن في أن ما يجري هو مجرد تبديل للأدوار في مشهد مكرر حيث يتم استغلال المطالب الشعبية بالإصلاح لشرعنة عملياتِ قطاف الرؤوس التي تهدف في نهاية المطاف إلى إحكام السيطرة على مراكز النفوذ وتحويل الدولة إلى ساحة لتصفية حسابات قديمة بوجوه جديدة.
ويبقى السؤال الجوهري معلقا في فضاء الترقب والحذر هل نحن أمام واقع سياسي يتغير فعلاً أم أننا عالقون في دائرة مفرغة من تدوير النفوذ وإعادة تدوير أزماتنا؟
إن التاريخ يخبرنا أن مصير المتجبرين لا يقررهُ بيان عسكري أو اعتقال ليلي بل يكتبه الحصاد الذي لا يخطئ والذي لا بد أن يطال أركان هذه المنظومة برمتها. وما هذه الليلة الحمراء في المنطقة الخضراء إلا فصل من فصول مسرحية عبثية طال أمدها وسيبقى الاختبار الحقيقي لأي إصلاح هو مدى قدرته على تفكيك منظومة الفساد كلياً وليس مجرد اختيار شخصيات صغيرة فاسدة جديدة لإرضاء الشارع أو لتأمين استمرارية النخبة الحاكمة في مقاعد السلطة.