🛑فرجال... news
د.ثائرة اكرم العكيدي/كاتبة وباحثة
يقف العراق اليوم أمام مشهد سياسي بالغ التعقيد حيث تتداخل خيوط الأزمة الاقتصادية الخانقة مع تداعيات الصراع الإقليمي المشتعل، لتشكل مجتمعةً واقعاً ضبابياً يختلط فيه صليل السلاح بوعود الإصلاح. وفي قلب هذا المشهد تبرز حملة الاعتقالات الأخيرة التي قادها رئيس الوزراء علي الزيدي في المنطقة الخضراء كحجر زاوية في صراع بقاء مرير لا يرى فيه الكثيرون سوى مسرحية سياسية متقنة الأداء، كُتبت فصولها في غرف مغلقة لتضليل شارعٍ بات يعي جيداً أن محاربة الفساد غالباً ما تُستخدم كغطاء لتثبيت أركان السلطة وليس لاجتثاث جذور الخلل.
إن القراءة الفاحصة لهذا التحرك لا يمكن أن تفصل بين التوقيت المريب للعملية وبين الانهيار الاقتصادي الحاد الذي يواجهه العراق، لا سيما بعد أن أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى قطع شريان الحياة الوحيد لتصدير النفط، وهو ما وضع الحكومة أمام استحالة توفير أبسط التزاماتها تجاه الموظفين والمتقاعدين والقوات الأمنية. في ظل هذا الانغلاق، يبدو المشهد أشبه بدوبلاج سياسي حيث تُقدم الحكومة رواية رسمية تروج للقضاء على الفاسدين بينما تتجاهل الحقيقة الصارخة بأن منظومة الحكم القائمة منذ عام 2003 مبنية على توافقات المحاصصة التي جعلت من رموز العملية السياسية خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها مهما تعاقبت الوجوه أو تغيرت المسميات.
ضمن هذا السياق يبدو من السذاجة تضخيم ما أقدم عليه الزيدي في فجر الأحد؛ فالمستهدفون ليسوا سوى (وسطاء) في شبكة معقدة، بينما تبقى (الضربة الحقيقية) رهينة لإرادة سياسية لم تُختبر بعد.
إن الأنظار تتجه الآن نحو واشنطن التي سيزورها الزيدي قريباً محملاً باختبارٍ عجز أسلافه من الكاظمي إلى السوداني عن اجتيازه. فهل ستكون هذه الاعتقالات أوراق اعتماد يقدمها الزيدي للإدارة الأمريكية لتجفيف منابع التمويل والحدائق الخلفية لتهرب طهران من العقوبات؟ إن التساؤل هنا يتجاوز مجرد تقويض نفوذ المليشيات فرغم أن السوداني نجح في تحجيم انخراطها الكلي في الحرب الإقليمية إلا أن المرحلة القادمة تقتضي دماً جديداً في إدارة الملفات الأمنية وهو ما يطرح تساؤلات وجودية حول ردود الفعل المحتملة من القوى الفاعلة في الداخل والتي قد لا تقبل بسهولة تغيير قواعد اللعبة.
لقد جاء علي الزيدي إلى سدة الحكم كمرشح توافقي فرضته ضرورات المرحلة وخوف الكتل من الفراغ الدستوري وهو التاجر الذي يمتلك تقاطعات واسعة مع كافة الأطراف السياسية مما يجعل من شعاراته حول حصر السلاح ومحاربة الفساد مجرد صدى لوعود سابقة تلاشت في أدراج النسيان.
إن الانتقائية التي ميزت قائمة الـ 47 متهماً مع إغفال الرؤوس الكبيرة التي تورطت في إدارة الدولة على مدى عقدين، تؤكد أن الغاية هي إدارة الأزمة وليس حلها وأن الحرب على الفساد ليست سوى حلقة في سلسلة ضغوط إقليمية تهدف إلى إعادة رسم موازين القوى بينما يظل الشعب العراقي هو الضريبة التي تُدفع في هذا النفق المظلم.
إن ما نشهده اليوم يتجاوز كونه إجراءً قانونياً ليصبح اختباراً للشرعية المفقودة في نظام سياسي يترنح فإذا كان الزيدي جاداً حقاً في تغيير المسار لكان بدأ بتفكيك شبكات النفوذ التي أرست دعائم الفساد منذ اليوم الأول ولكان واجه تلك القوى التي استباحت مقدرات الدولة بلا رقيب
أما الاكتفاء بتقديم أكباش فداء في ظل أزمة اقتصادية طاحنة فهو لا يعدو كونه محاولة لامتصاص الغضب الشعبي وتأخير لحظة الحساب الحتمية. وبينما يترقب العالم مآلات الصراع الإقليمي وتأثيراته على تدفق الطاقة يبقى الشارع العراقي يراقب المشهد بمرارة مدركاً أن الحقيقة لا تزال محبوسة خلف كواليس التوافقات وأن المستقبل القريب سيكشف ما إذا كان الزيدي قادراً على كسر هذا النمط أم أنه مجرد فصلٍ جديدٍ في قصة البقاء على حساب وطنٍ يغرق..