🛑فرجال... news
بقلم الكاتب : رائد عبيس / كربلاء
كثيرة هي الأبعاد الأنثروبولوجية التي خلفتها المقابر الجماعية في العراق ، ومازالت تخلفها وتبقى تخلفها لأمد طويل من الذاكرة الوطنية ، أو الذاكرة الشعبية القريبة من تأريخ الحدث أو تأريخ الاكتشاف أو تاريخ فتح المقابر .
كل مواقع المقابر الجماعية في العراق تحتاج إلى تحليل لأبعادها الأنثروبولوجية بما يرتبط بجغرافية المكان ، و أختيار الموقع لإعتبارات إجتماعية و أمنية ، و أثر هذه المواقع على أهالي الضحايا بشكل خاص و المجتمع بشكل عام ، وغيرها من الرمزيات والإعتبارات الخاصة لمواقع المقابر الجماعية .
موقع سهل عكاز في الصقلاوية الذي أفتتح مؤخراً في 16 مايو 2026 و الذي كان مُكتشف سابقاً ، و فتحت منه مقابر قبل هذا التأريخ .
يمثل موقعاً هاماً لما يحتويه من أعداد كبيرة متوقعة ، فضلا عن طبيعته التي تتقارب بينها مواقع الإقبار ، و حفر الموت التي سميت لاحقا قبوراً..!! و التي قد تمتد إلى مساحات كبير متوقعة بحسب خبراء المقابر الجماعية و الآثاريين الذين توقعوا ذلك في هذا الموقع.
نتساءل في هذا المقال ، وهو تساؤل ينسحب على جميع مواقع المقابر الجماعية الأخرى في العراق ، ما أصل هذه المواقع هل هي حفر أم قبور..؟؟ ، و ماذا كانت قصدية الفاعل حينها..؟؟ ، هل أختارها حفرة أو كان يقصدها قبر..!!؟؟ .
تشير حيثيات هذا المواقع أن الفاعل / المجرم كان يقصدها حفر و ليس قبوراً..!! ، و الفرق بين ذلك أن الحفرة توحي بدلالات جنائية كبيرة ، منها الشروع الثابت فيها و الإخفاء الدائم لها ، و الإصرار على نكرانا لأنها بدون أثار و دلالات واضحة ، مما يجعلها جريمة مستمرة .
ففكرة المواراة للضحايا في هذه الحفر بقصد التعتيم التام لكل تفاصيل الجريمة ، كانت حاضرة بوضوح في قصدية الجاني و دوافعه .
فعصب العيون و تكبيل الأيدي و تجريدهم من أشيائهم ، و رصفهن في قعر هذه الحفر و أوسطها ، دليل دامغ على أن الجاني / البعثي لم يكن ينويها قبراً ، بل حفرة إخفاء مؤكدة و تستر على الجريمة ، وطيها مادام موجوداً في السلطة ، ولعلها من الحوادث المنسية في ذاكرة الإجرام البعثية ، طيلة هذه العقود و إنشغاله بغيرها ، بل قد يكون ألحق بالمنفيذين لها حكم القتل ، لأجل التستر التام للضحية و فاعلها..!! .
و هذا لعمري قمة الإجرام و وحشيته في أن يكون نظاماً يحكم شعبه بهذه الطريقة الإبادية الإقبارية التامة ، فهذه جريمة متعددة الأركان وتامة الثبوت .
فدلالات الدفن بهذه الحفر .. دليل على الأستخاف و الإهانة للضحية ، ودليل تستر و إخفاء متعمد و مواراة للضحية و الأدلة التي ترافق موطن الجريمة ، و هي مؤشر خوف و كتمان..!!
أما دلالات القبر في شطر السؤال : فالقبر يعني التكريم للضحية.. أن توضع في قبر من قبل ذويها ، أو من قبل من قام بقتلها أو من قبل طرف ثالث يحصل مع الجثث مجهولة الهوية ، حين تقتل و تترك ملقاة على الأرض أن يلحق بها مراسيم الدفن الطبيعية في قبر يرمز لكرامة الموتى .
فالإقبار يُشير الى الفعل القسري الذي يجريه الجاني على المجني عليه ، بقصد دفه سواء كان حياً أو ميتاً ، و هو يرتبط بدلالة الحفر الذي أختير مدفناً قسرياً للضحية .
ماذا كان يقصده الفاعل / الجاني..؟؟ الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى تحليل لسيكولوجية المجرم/ البعثي ، الذي أقدم على تنفيذ هذه الجريمة ، دلالة الفعل و مؤشرات الجريمة و طبيعتها تؤكد على الحقد و الترصد للضحية ، و الكيفية التي تقتل بها و الكيفية التي تدفن بها ، و قبلها كيف تنقل إلى ميدان التنفيذ ونقصد الموقع الحالي موقع مدافن حفر سهل عكاز ..!!
و لم نسميها قبراً لأن ذلك يشير إلى شيء من أحترم الجاني للمجني عليه ، أي أنه وضعه في قبل ، و أعتقد جازماً بأن المجرمين / البعثية الذين نفذوها ، لم يكن قصدهم هذا بعد هذه الفعلة ، بحيث لو سئلوا عن عملية التنفيذ بضحايا مقبرة سهل عكاز أو غيرها ، لم يجيبوا بأنهم كانوا قد دفنوهم بقبور بل سيُجيبوا بأنهم طمروهم في حفر كما تطمر جثث الحيوانات ..!!
السيكولوجية الإجرامية البعثية هي سيكولوجية سادية توغل في القتل و التشفي بضحيتها..!! ، تميل إلى الإلغاء الوجودي الحقيقي للخصم .
الإبادة الحقيقة لمن يخالفهم فكرياً و إيديولوجيا ، و قد سمعنا هذا كثيرا في خطابات قيادات البعث ، التي كانت تهدد من يعدوهم أعداء بالإبادة و الإفناء و التقطيع وكان ذلك يطرح صريحاً في خطابات و إجتماعات رسمية من قبل مجرمي قيادات البعث..!!
موقع حفر دفن ضحايا سهل عكاز .. نموذج ماثل للعيان عن حقيقة هذه السادية ، و إن محتويات هذه الحفر من جثث الضحايا و الأبرياء ، شاهد تأريخي على حقيقة مؤجلة كشفها زمن الإدانة .
فتحليل طريقة القتل ، و حيثيات التنفيذ ، و طريقة الدفن التي كانت عبارة عن رصهم ، أو رميهم في حفرة كيفما أتفق ، فضلاً عن إنكار مصيرهم رسمياً أمام من يسأل عنهم من قبل ذويهم ، الذي يجيبونهم أحيانا بالإنكار مرة و الردع مرة أخرى ، و التهديد بنفس المصير مرة ثالثة ، فهذه الطريقة من التعامل مع ذوي الضحايا ، منعتهم من السؤال أو التفكير بالسؤال عن مصيرهم ، لأن مصيرهم كان معروف و هو التغييب القسري أو الإختفاء القسري أو تأكيدهم الذاتي لموتهم ، بعد أن اصبحوا بين أيدي مجرمي البعث ، و لكن كانوا يجهلون الطريقة..!!
كشف هذه المواقع أعاد لهم ذكريات الصبر و السؤال و الشوق و التطلع إلى معرفة كيف قتلوا و لماذا..؟؟